الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٦١والْجَوَاب: أنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ﴾ مُقيَّد لثبوت التطهير بالْمَاء الْمنزَّل، ولا يَدُلُّ عَلَى وجود ذَلِكَ التطهير بالْمَاء الواحد مَرَّة بعد أخرى، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى ثبوت حقيقة هي التطهير؛ فإذا حصلت مَرَّة واحدة فقد صحَّ مَعنَى الآية، فيحتاج في كونه بعد ذَلِكَ مُطهِّرا إلى دليل.
وَأَمَّا قوله: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا﴾ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تِكرار الْمطهريَّة له باعتبار كثرة أجزائه، وتكرار أفراده، وتعدُّد أنواعه؛ فكلُّ نوع منه مُطهِّر عَلَى حياله، ولا يَدُلُّ عَلَى أنَّ النوع الواحد منه يصحُّ منه تكرار التطهير.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ فمطلق قيِّد بقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ﴾ والْمَاء الْمُستَعمل لا يُطلق عَلَيْهِ اسم ماء عَلَى الإطلاق بل اسم الغسالَة أولى به.
سلَّمنا أنَّ اسم الْمَاء يطلق عَلَيْهِ فالتقييد إِنَّمَا ثبت بفعله - صلى الله عليه وسلم - وإجِمَاع الْمُسلِمِين عَلَى ذَلِكَ؛ فَإنَّهُم ما كانوا مع قِلَّة مائهم في أسفارهم يَجمعون ما يقطر من أعضائهم ليَتَوَضَّأَ به بعضهم؛ فلو كان مُطهّراً لوجب عَلَى من لَمْ يَجد ماء أن يَجمع القاطر من وضوء صاحبه، ولو كان ذَلِكَ منهم لاشتهر؛ لأَنَّه مِمَّا تعمُّ به البلوى ولو آحادا، والْحَال أَنَّهُ لَمْ ينقل عنهم شيء من ذَلِكَ، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا السنَّة: التي احتَجّ بِها مالك، فما روي عنه عَلَيْهِ الصلاة والسلام «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ رَأسَهُ بِفَضلِ مَا فِي يَدِهِ»، وَعَنهُ عَلَيْهِ الصلاة والسلام «أَنَّهُ تَوَضَّأَ فَأخذَ مِن بَلَلِ لِحيَتِهِ فَمَسَحَ بِه رَأسَهُ»، وعن ابن عباس «أَنَّهُ عَلَيْهِ الصلاة