الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٩٧قال الفخر: وأنا أتعجَّب منهم؛ فَإنَّهُم لَمَّا جعلوا هذا القدر من الْحرج سببا لِجواز التَّيَمُّم، فلِم لَم يَجعلوا خوف زيادة الألَم في الْمرض سببا لِجواز التَّيَمُّم.
قُلتُ: وأنا أيضا أتعجَّب منهم مع أنَّ أصل الْمَاء الإباحة ولا منَّة، وقد روي عنه - صلى الله عليه وسلم - «أَنَّهُ كَانَ يَشربُ مِنَ الأَنْهَارِ» مع تَحرِيم الصدقات عَلَيْهِ؛ لأَنَّه لَمْ يكن عَلَيْهِ في ذَلِكَ غضاضة، ولا تلحقه منَّة.
ثُمَّ إِنَّهم لَمْ يثبتوا عَلَى ذَلِكَ الأصل الْمَنقُول عنهم حَتَّى نقضه الأكثر منهم فيما إذا أُعير منه الدلو أو الرشا:
فقال الأكثرون: لا يَجُوز له التَّيَمُّم؛ لأَنَّ الْمِنَّة في هذه /403/ الإعارة قليلة، وكان هذا الإنسان واجدا للماء من غير حرج فلم يَجز له التَّيَمُّم؛ لأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ﴾ دليل عَلَى أَنَّهُ يشترط لِجواز التَّيَمُّم عدم وجدان الْمَاء.
وهذه العِلَّة بعينها موجودة في أخذ الْمَاء، إذ لا فرق بين إعارة الدلو والرشا وبين هبة الْمَاء، اللهمَّ إِلاَّ أن يكون الْمَاء عند هؤلاء في أمكنتهم ذا قيمة عَظيمة، فيحتمل ما قالوه من الفرق في تَحمُّل الْمَشَقَّة، وما علمت أنَّ الْمَاء في شَيء من الأمكنة يَنتهي إلى هذا الْحَدّ؛ لأَنَّ الله - سبحانه وتعالى - جعله حياة لِكُلِّ شيء، وعلَّق عَلَيْهِ عبادات؛ فالْحِكْمة تقتضي أَلاَّ يبلغ الْمَاء في العدم ذَلِكَ المبلغ، وَاللهُ أَعلَم.