الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢١١قدم عَلَى النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أخبره أصحابه بذَلِكَ فقال: «يَا عَمرُو، لِمَ فَعَلتَ ذَلِكَ؟» أَو قَال: «مِن أَينَ عَلِمتَ ذَلِكَ؟». وَقِيلَ: قال: «صَلَّيتَ بِهم وَأَنتَ جُنُب؟!»، قال: يا رسول الله، إِنِّى سَمعت الله تَعَالَى يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فضحك النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - ولَم يرد عَلَيْهِ شيئا، وسكوته عن ذَلِكَ مع القدرة عَلَى الإنكار عَلَيْهِ تقرير له؛ فهو دليل عَلَى الرضا به لا سيما وقد ضحك، فهو أدلّ عَلَى الْجواز؛ لأَنَّه سرور بذَلِكَ الاستنباط، وَاللهُ أَعلَم.
وروي أنَّ رجلا شُجَّ في عهده - صلى الله عليه وسلم - فأفتاه رجل بِغَسلها فأصابته من ذَلِكَ علَّة فمات، فقال النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «قَتَلُوه، قَتَلَهُم اللهُ».
وروي أنَّ رجلا أصابته شجَّة فأجنب وقد اندملت عَلَيْهِ فاستفتي له فأمر بالغُسْل فكَزَّ فمات، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «قَتَلُوه، قَتلهم الله».
ففي هذا ما يَدُلُّ عَلَى جواز التَّيَمُّم لِمن خاف عَلَى نفسه، بل فيه دليل /409/ عَلَى وُجُوبه؛ لأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ دالٌّ عَلَى تَحرِيم القتل للنفس إجِمَاعا.
لا يقال: إنَّ هذا الْحُكْم مُختصّ بالْمُسَافِر؛ لأَنَّ عمرو بن العاص ومن بعده إِنَّمَا وقع منهم ذَلِكَ في حال الغزو فلا يكون الْحَاضِر مثلهم.
لأَنَّا نقول: إنَّ بعض القضايا إِنَّمَا وقع في الغزو، وبعضها لَمْ يذكر سبب وقوعها.
سلَّمنا أنَّ الْجَمِيع قد وقع في السفر فالاستدلال عَلَى تَحرِيم قتل النفس عام فلا يُخصَّص بالسبب؛ لأَنَّ العبرة بعموم اللفظ