الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٢٤قال: والتَّيَمُّم أحبُّ إِلَيَّ؛ وَإِنَّمَا كان التَّيَمُّم أحبّ إليه -رحمة الله عَلَيْهِ-؛ لأَنَّ فيه ضربا من الاحتياط حيث استعمل الطهارتين معا، أَمَّا إيجَابُهما عَلَى جهة الإلزام فلا سَبيل إليه؛ لأَنَّه منافٍ لِحكمة التخفيف، إذ الْمَشرُوع في حقِّ الْمَرِيض التخفيف، وجَمع الطهارتين في حقِّه تشديد، ولا سبيل إلى إلزامهما معا؛ لأَنَّ التَّيَمُّم إِنَّمَا يَجب بدلا من الْمَاء فلا يَجب الْجمع بينهما.
وَأَمَّا الْمُوجِبون للتَّيَمُّم فقط: نظروا إلى أنَّ الْوضُوء طهارة لا تنبني عَلَى نَجَاسَة، فيجب الْمَصِير إلى التَّيَمُّم الذي هو بدل منها.
وَيُبحَثُ فيه: بِأَنَّهم اتَّفَقُوا عَلَى نقض التَّيَمُّم بِجَمِيع ما ينقض الْوضُوء؛ فإذا لَمْ يصحّ الْوضُوء لِحصول النَّجَاسَة لَمْ يصحّ التَّيَمُّم أيضا.
وقد يُجَابُ: بأنَّ الله تَعَالَى قد شرع التَّيَمُّم للمريض، فهو فرضه إذا لَمْ يُمكنه استعمال الْمَاء لتعذُّره، وإذا أدى ما فرض عَلَيْهِ أَجزَأَه، مع قطع النظر عن حصول الناقض الذي لا يمكن إزالته.
ويردُّ عَلَيْهِ: أنَّ مشروعية التَّيَمُّم في حقِّ الْمَرِيض حيث لَمْ يقدر عَلَى استعمال الْمَاء، فَأَمَّا الآن وقد تساوى في حقِّه الْوضُوء والتَّيَمُّم، فلا وجه للعدول عن الْوضُوء إلى التَّيَمُّم.
عَلَى أَنَّهُ روي في أَصحَاب الضرورات ما يَدُلُّ عَلَى ثبوت الْوضُوء لَهم: فمن ذَلِكَ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا تَوَضَّأَ أَحدُكُم فَسالَ دَم البَاسُورِ مِن قَرنِه إلى قَدمِهِ فلاَ وُضوءَ عَلَيْهِ».
وروي "أنَّ الصحابة - رضي الله عنهم - يصلُّون وجروحهم تثعب دما".