الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٢٩٩والعبادات الشرعية الْمَوقُوفة عَلَى الطهارة تصحُّ من كُلّ مسلم أتى بشروطها فلو لَمْ يكن كُلّ مسلم طاهرا لَما صحَّت منه هذه العبادة.
واستثنى بعض علمائنا من جُملة الْمُسلِمِين شَارب الْخَمر، فَإِنَّهُم صرَّحوا بنجاسته بناء عَلَى القول بنَجَاسَة الْخَمر؛ فَإنَّهُ متى ما شرب الْخَمر خَالطت لَحمه ودمه فصار في حكم الْجلاَّلَة من الأَنعام.
واختَلَفُوا في طهارته من ذَلِكَ:
فذكر الشيخ عامر في إيضاحه: أَنَّهُم استعملوا لطهارته أربعين يوما.
قالوا: يتحوَّل إلى الطهارة بعد تَمام الأربعين يوما؛ لأَنَّ النُّطفَة إذا وقعت في الرحم عَلَى الأربعين يوما تتحوَّل فتصير علقة ثُمَّ الْمضغة كذَلِكَ.
وقال الشيخ إسماعيل: وعند مشايخنا أنَّ الْجلاَّل من الناس الذي يشرب الْخَمر يتَّقى منه البلل يوما وليلة.
وظاهر كلام بعضهم أَنَّهُ لا ينجس إِلاَّ ما باشر منه النجس، فإنَّ أبا الْحَوَارِي قال في الفاسق يُصافح إنسانا فيه عرف نبيذ ويده عرقة، أو يُحدّثه فطار من فمه بصاق: إنَّ ذَلِكَ ليس بنجس إِلاَّ أن يعلم أَنَّهُ شرب نبيذا حراما، ثُمَّ لَمْ يغسل فاه ولَم يشرب ماء عَلَى أثر النبيذ.
وَأَمَّا اليد إذا عرقت ولَم يعلم أَنَّهَا مسَّت النبيذ فلا بأس بذَلِكَ.
وهذا كُلّه مبنِيّ عَلَى القول بنَجَاسَة الْخَمر، وَأَمَّا عَلَى القول بطهارتِها فلا يكون الشارب له نَجسا عَلَى حال.
وذهب أبو حنيفة وأَصحَابه إلى أنَّ أعضاء الْمُحدِث نَجسة نَجَاسَة حكميَّة، وبنوا عَلَيْهِ أنَّ الْمَاء الْمُستَعمل في الْوضُوء والْجنَابَة نَجس. ثُمَّ روى أبو يوسف: أَنَّهُ نَجس نَجَاسَة خفيفة.