الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٣٥٣والْجَوَاب: أَمَّا أَوَّلاً: فَإنَّهُ لا يَصِحّ القدح في الرواية بتوقُّف السامع عن الْحُكْم بِمقتضاها، وَإِنَّمَا يقدح فيها لأمور أخرى لَمْ يذكر الْمعترض منها شيئا، فإذا سلِمت من تلك القوادح وجب قبولها، والْحُكْم بِمقتضاها.
سَلَّمْنَا أنَّ الأشياخ لَمْ يَحكموا بكفرِ من ترك الْحَلق فوق الأربعين فَإِنَّهُم إِنَّمَا لَمْ يَحكموا بذَلِكَ؛ لأَنَّ الْخبر آحادي الإسناد، فلا يفيد القطع فلا يَصِحّ الْحُكْم معه بالتكفير؛ لأَنَّ التكفير لا يكون إِلاَّ بالدليل القاطع.
وَأَمَّا ثانيا: فيحتمل أن يكون الْحَدِيث مَحمولا عَلَى مَعنَى الترغيب والتأكيد دون الإيجاب والالزام، كما هو الظاهر من سياقه.
وكذَلِكَ أيضا حديث: «مَن كانَ يُؤمِن بِالله وَاليَومِ الآخِرِ فَليَقُل خَيْرًا أَو لِيَصمُت» فَإنَّهُ مَحمول عَلَى الترغيب في الصمت دون إيجابه، إذ لو حُمل عَلَى الإيجاب لَحرم التكلُّم بالكلام الْمُبَاح الذي لَمْ يندب إليه؛ فيؤدِّي ذَلِكَ إسقاط نوع الْمُبَاح من الكلام وهو ثابت بالإجِمَاع.
ويعتذر لأبي سعيد -رحمه الله تَعَالَى- بِأَنَّه يَجعل الْمُبَاح طاعة بصلاحيَّة القصد، ومعصية بفساده؛ فَالأشياء عنده إِمَّا طاعة وَإِمَّا معصية كما ذكرناه عنه في غير موضع.
لكن يتوجَّه عَلَيْهِ الْمهمل الذي لا قصد له؛ فَإنَّهُ لَمْ يقصد خيرا فيحكم له به، ولا شرًّا فيعطى حكمه؛ فلا بدَّ وأن يقال إِنَّه غير آثم ولا مثاب إِلاَّ أن يلحقه الشيخ أبو سعيد بِحاله الذي عَلَيْهِ في ذَلِكَ الْحَال، وذَلِكَ أن