سورة يونس · الآية ٢١ من ١٠٩

‹ السورة السابقة
وَإِذَاۤ أَذَقۡنَا ٱلنَّاسَ رَحۡمَةࣰ مِّنۢ بَعۡدِ ضَرَّاۤءَ مَسَّتۡهُمۡ إِذَا لَهُم مَّكۡرࣱ فِیۤ ءَایَاتِنَاۚ قُلِ ٱللَّهُ أَسۡرَعُ مَكۡرًاۚ إِنَّ رُسُلَنَا یَكۡتُبُونَ مَا تَمۡكُرُونَ٢١
الرسم الإملائيّ

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

الجزء ١١الربع ٨٤ صفحة ٢١١

تفسيرها

[سورة يونس — آية 21]

﴿وَيَقُولُونَ: لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ﴾ مِنَ الآيات التِى اقترحوها ، ﴿ فَقُلْ: إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلّهِ﴾ أي: هُوَ المختصُّ بعلم الغيب ، فهو العالم بالصارف عَن إنزال الآيات المقترحة لاَ غير. ﴿فَانْتَظِرُواْ﴾ نزول مَا اقترحتموه ، ﴿إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ﴾ بِمَا يفعل الله بكم لعنادكم وجحودكم الآيات. ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ﴾ وَهُوَ أَنُتم ، عامٌّ لجنس الناس ، ﴿رحمة﴾ رحمةً وحِصنا ونحوهما ، ﴿مِّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ ، إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي آيَاتِنَا﴾ بدفعها وإنكارها ، والمكر: إخفاء الكيد.﴿ قُلِ اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا﴾ ولم يصفهم بسرعة المكر ، لأَنَّ كلمة المفاجآت دلَّت عَلَى ذَلِكَ ، كأنَّه قَالَ: وإذا رحمناهم من بعد ضرَّاء فاجؤوا وقوع المكر منهم ، وسَارَعوا إليه قبل أَن يغسلوا﴿كَذَا﴾ رؤوسهم من مس الضرَّاء. ﴿إِنَّ رُسُلَنَا﴾ يعني: الحفظة﴿يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ﴾ إعلام بأَنَّ مَا تظُّنون خافيا لاَ يخفى عَلَى الله ، وَهُوَ منتقم منكم.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٥

[سورة يونس — آية 21]

قوله : ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً ﴾ والرحمة في هذا الموضع العافية . ﴿ مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ أي من بعد مرض أو شدة أصابتهم ، يعني المشركين .

﴿ إِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا ﴾ قال الحسن : يعني جحوداً وتكذيباً بآياتنا . وقال مجاهد : ﴿ مَّكْرٌ فِي ءَايَاتِنَا ﴾ أي : استهزاء وتكذيب .

﴿ قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْراً ﴾ أي : أسرع عذاباً . قال الحسن : إن الله إذا أراد أن يهلك قوماً كان عذابه إياهم أسرع من لمح البصر .

قوله : ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ وهي تقرأ بالتاء والياء . فمن قرأها بالتاء فيقول للمشركين : ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ . ومن قرأها بالياء فهو يقول للنبي عليه السلام : ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ ، يعني المشركين ، ويعني الحفظة الذين يكتبون أعمال العباد . يعني ما يمكرون من كفرهم وتكذيبهم . وفي الآية تقديم : إذا لهم مكر في ءاياتنا قل إن رسلنا يكتبون ما تمكرون قل الله أسرع مكراً .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٥

[سورة يونس — آية 21]

﴿ وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ ﴾ كفار مكة أَو الكفار مطلقا ففيم اللجاج والمكر مطلقاً ﴿ رَحْمَةً ﴾ كالصحة والشفاءِ والخصب وصلاح الثمار والأَنعام وأَحوالها ﴿ مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ ﴾ كمرض وقحط ووصف الضراء بالمس إِشارة إِلى أَنها قليلة بالنسبة إِلى الرحمة ﴿ إِذَا ﴾ للمفاجأَة ﴿ لَهُم مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا ﴾ احتيال فى دفعها . كما روى أَنهم أَقحطوا سبع سنين وكادوا يهلكون ولما أَرسل الله إِليهم المطر نسبوه إِلى الأَصنام أَو الأَنواءِ والكواكب ، ويقولون مطرنا بنوءِ كذا أَى بسقوط نجم كذا فى المغرب من المنازل الثمانية والعشرين ، وطلوع مقابله من المشرق فى الفجر ، يضيفون البرد والرياح والأَمطار إلى الساقط ، وقال الأَصمعى إِلى الطالع ، وذلك فى كل ثلاثة عشر يوماً إِلا الجبهة فأَربعة عشر ، وليس غرضهم من طلب الآيات طلب الحق والتأَمل بل غرضهم العناد والعنت ، فلو نزلت كل آية لم يؤمنوا ، والمراد بالآيات غير المتلوة ، قال زيد بن خالد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « يقول الله تعالى : أَصبح من عبادى مؤمن بى وكافر بالنجم ، وكافر بى ومؤمن بالنجم ، فأَما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بى كافر بالنجم ، وأَما من قال مطرنا بنوءِ كذا أَو كذا فذلك كافر بى مؤمن بالنجم . » وإِنما كفر لاعتقاده أَن النجم مستقل بالمطر . ولا كفر بقول مطرنا عندها مع نية أَن الإِمطار بإِذن الله ، ولا تأْثير فى النجم لذلك ، ولا يجوز للنجم تأْثير بقوة أَودعها الله فيه استقلالا فإِن هذا إِشراك ، وأَما بقوة أَودعها الله تعالى فيه تؤثر بإِذنه وعلمه وخلفه الأَثر فلا بأْس ، وشهر المنع ، وهكذا سائِر الأَسباب ﴿ قُلِ اللهُ أَسْرَعُ مَكْراً ﴾ منكم ، أَى أَسرع مجازاة منكم فى سرعة مكركم ، وسرعتهم معبر عنها بإِذا الفجائية ، سمى المجازاة مكرا؛ لأَن المكر سببها وملزومها ، وذلك مشاكلة ، ويجوز أَن يكون المكر مستعارا للاستدراج ، فإِن معاملة الله معهم بما يحبون مع إِقامتهم على المعصية فى صورة المكر والخديعة وعلل الأَسرعية بقوله ﴿ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ﴾ يعنى الحفظة يكتبونه لئَلا تنكروه ، فلم يخف عنهم ، فكيف عن الله ، فلا بد من الانتقام لأَن الحفظة والكتابة إِنما هما للجزاءِ ، وسمى الملائكة رسلا هنا كما فى سورة فاطر لأَنهم يبلغون أَعمالهم إِلى الله عز وجل ، وهو أَعلم بها منهم ، والتكلم هنا مناسب له فى قوله أَذقنا فلا التفات ، فلا تهم فإِن قل الله لا يقابل ذلك لأَنه أَمر فكيف يكون مدخول قل وهو لفظ الجلالة مقابلا للتكلم حتى يقال التفات من الغيبة إِلا إِن كان هذا من مقول القول ، فيكون الأَصل إِن رسله ولا حاجة إِلى ذلك ، بل أَخبر الله تعالى رسوله أَن رسلنا يكتبون إِلخ ، كما أَمره بالقول ، وما مصدرية أَى يكتبون مكركم ، أَو اسم أَى ما تمكرونه على تضمين تمكر معنى تعمل فى خفاءٍ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٥