فَلَمَّاۤ أَنجَىٰهُمۡ إِذَا هُمۡ یَبۡغُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّۗ یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغۡیُكُمۡ عَلَىٰۤ أَنفُسِكُمۖ مَّتَٰعَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ ثُمَّ إِلَیۡنَا مَرۡجِعُكُمۡ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ٢٣
الرسم الإملائيّ
فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
الجزء ١١الربع ٨٤ صفحة ٢١١
تفسيرها
﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ﴾ يُفسدون فِيهَا ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي : بالباطل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ أي: ظلمكم يرجع عليكم . ﴿مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بغيكم كمتاع الحياة الدَّنيَا ، ويضمحلُّ ويبقى وبالُه عليكم ، ﴿ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فنجزيكم بِهِ ، ونجازيكُم عليه ، وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلا ، لأَنَّ الأشياء يظهرُ سرُّها وحقيقتها بالمثل ، فقال:
﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حالها العجيبة في سرعة نُقصٍِها ، وذهاب نعمتها بعد إقبالها ، وإعتزاز البأس بها ، وذلك مَثلُّ لجميع مَا خوله العبد مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ سريع الذهاب ، لأَنَّهُ إذا بقيَ لك لم يبق لَهُ ، ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ أي: فاشتبك بسببه حتَّى خالط بعضه بعض ،﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ مٍِنَ الحبوب والثمار والبقول ، ﴿وَالأَنْعَامُ﴾ يعني: الحشيش. ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ أظهرت زينتها بالنباتات ، واختلاف ألونه ، ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ وتزيَّنت بهِ وأظهرت حسنها عند إقبالها ، وأخفت عواقبها عَن أبنائها ، ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ الطامحون إِلَيْها ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ﴾ كأنَّهم ظافرون بها ، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ عذابنا ، وَهُوَ ضرب زرعها ببعض العاهات ، بعد أمنهم واستيقانهم أنَّه قد سَلِمَ ، وأنَّه واصل إِلَيْهِم ومنتَفَعٌ بِهِ ﴿لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾ فجعلنا زرعها ﴿حصيدا﴾ شبيها بِمَا يُجَذٌ مٍِنَ الزرع ، وفطعه واستئصاله ، ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ يعني : صارت كأن لم تكن ، وَمَا حصلوا منها إِلاَّ الجزاء .﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فينتفعون بضرب الأمثال ، وَهَذَا مٍِنَ التسلية ، شبَّه حال الدنُّيَا فيِ سرعةِ نقصها ، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأَرْض في جفافه وذهابه حطاما ، بعدما الْتَفَّ وتكاثف وزيَّن الأَرْض بِخُضرته ، وَلَمَّا وصف الدُّنْيَا ، وقلَّة انتفاعها ، وسرعة ذهابها ، وكثرة آفاتها ، رغَّب فيِ عمل الآخِرَة فقال:
﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ عَن الفناء والذهاب ، يعني: الجنَّة ، وَقِيلَ: السلام هُوَ الله تعالى ، وداره: الجنّة ، يدعو عباده إِلَى جنَّته ببعث الرسل ، ونصبِ الأدلَّة ، وقيل ، سُميَت الجنَّة دار السلام لأَنَّ من دخلها سَلِمَ مِنَ الآفات ، ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٧
﴿ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أي يكفرون في الأرض ويفسدون فيها ، ويعبدون غير الله ، وذلك بغي في الأرض .
ثم قال : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾ يعني بالناس في هذا الموضع المشركين . ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾ يعني أنه يصير عليكم ثوابه ، أي النار ثواب البغي والكفر . ﴿ مَّتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ . يقول : وإنما بغيكم وكفركم في الدنيا ، ثم ينقطع فترجعون إلى الله . وهو قوله : ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
ثم ضرب مثل متاع الحياة الدنيا فقال : ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ﴾ . قال بعضهم : فأخرجت الأرض ألوانها من النبات . وقال بعضهم : فاختلط ذلك الماء بالنبات الذي أنبت الله بذلك الماء . ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾ أي زينتها ، أي من نباتها من صفرة وحمرة وخضرة . ﴿ وَازَّيَّنَتْ ﴾ يعني الزينة من زهرتها ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾ أي : أن ذلك الزرع في أيديهم ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً ﴾ أي : قد حصد وذهب أجمع . ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾ أي : كأن لم يكن ذلك الزرع بالأمس قائماً .
قال : ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ ﴾ أي نبيّن الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ . يقول : فالذي أنبث هذه الزرع في الأرض المواتِ حتى صار زرعاً حسناً ، فاهتز فأخرج زينته ، ثم أهلكه بعد حسنه وبهجته ، قادر على أن يحيي الموتى . وهو كقوله : ﴿ كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ [ الكهف : 45 ] قال : ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أي : إنما يقبل ذلك ويعقله المتفكرون ، وهم المومنون . وهو كقوله : ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَالِمُونَ ﴾ [ العنكبوت : 43 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٧
﴿ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ ﴾ إِلى البر كما دعوا إِجابة لدعائِهم ﴿ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾ بالإِشراك وسائِر المعاصى بلا بطءٍ فإِن إِذا للمفاجأَة ، والبغى بمعنى مجاوزة الحد قد يكون بالحق كقتل المشركين وهدم دورهم وقطع أَشجارهم وإِحراق زروعهم كما فعل صلى الله عليه وسلم بقريظة ، وكقتل الخضر الغلام وخرق السفينة ، فاحترز عنه بقوله بغير الحق ، وهذا كما قال طغى الماءُ ، وأَولى من هذا أَن يكون بغير الحق تأْكيداً ليبغون ، أَو بغير الحق عندهم ولا سيما عند غيرهم . { يَا أَيُّهَا النَّاسُ هو على عمومه لا على خصوص أَهل مكة ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ فلا تحوموا حوله ، والعاقل لا يسعى فى إِهلاك نفسه فإِن عاقبته عليكم ولو أَوقعتموه على غيركم .
يا صاحب البغى إِن البغى مصرعه … فارجع فخير فعال المرءِ أَعدله
فلو بغى جبل يوماً على جبل … لاندك منه أَعاليه وأَسفله
وسمى الإِثم بغيا لأَن البغى سببه وملزومه ، أَو يقدر مضاف أَى إِثم بغيكم أَو وبال بغيكم ، أَو شبه على طريق الاستعارة بغيه على غيره بإِيقاعه على نفسه لأَن العقاب عليه كما قال : ومن أَساءَ فعليها ، أَو أَنفسكم أَمثالكم على العموم ، وهذا أَولى ، أَو أَبناءِ جنسكم على الخصوص لأَنهم كنفس واحدة ، وهو استعارة ، وعلى أَنفسكم خبر وقوله ﴿ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ خبر ثان أَو خبر لمحذوف أَى هو متاع ومتعلق ببغى ومتاع خبر أَى تتمون به قليلا لأَن الدنيا كلها قليلة فكيف عمر الإِنسان منها ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ ﴾ عطف على قوله إِنما بغيكم إِلخ ، عطف قصة على أُخرى ، أَو على محذوف أَى تتمتعون قليلا ثم إِلينا ، وفى هذا عطف للاسمية على الفعلية لقصد الثبات والحصر بتقديم الظرف ﴿ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ نجازيكم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٧