سورة يونس · الآية ٢٤ من ١٠٩

‹ السورة السابقة
إِنَّمَا مَثَلُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا كَمَاۤءٍ أَنزَلۡنَٰهُ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ فَٱخۡتَلَطَ بِهِۦ نَبَاتُ ٱلۡأَرۡضِ مِمَّا یَأۡكُلُ ٱلنَّاسُ وَٱلۡأَنۡعَٰمُ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَخَذَتِ ٱلۡأَرۡضُ زُخۡرُفَهَا وَٱزَّیَّنَتۡ وَظَنَّ أَهۡلُهَاۤ أَنَّهُمۡ قَٰدِرُونَ عَلَیۡهَاۤ أَتَىٰهَاۤ أَمۡرُنَا لَیۡلًا أَوۡ نَهَارࣰا فَجَعَلۡنَٰهَا حَصِیدࣰا كَأَن لَّمۡ تَغۡنَ بِٱلۡأَمۡسِۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡءَایَٰتِ لِقَوۡمࣲ یَتَفَكَّرُونَ٢٤
الرسم الإملائيّ

إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ

الجزء ١١الربع ٨٤ صفحة ٢١١

تفسيرها

[سورة يونس — آية 24]

﴿فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ﴾ يُفسدون فِيهَا ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ أي : بالباطل. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم﴾ أي: ظلمكم يرجع عليكم . ﴿مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: بغيكم كمتاع الحياة الدَّنيَا ، ويضمحلُّ ويبقى وبالُه عليكم ، ﴿ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ فنجزيكم بِهِ ، ونجازيكُم عليه ، وقد ضرب الله تعالى للدنيا مثلا ، لأَنَّ الأشياء يظهرُ سرُّها وحقيقتها بالمثل ، فقال:

﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حالها العجيبة في سرعة نُقصٍِها ، وذهاب نعمتها بعد إقبالها ، وإعتزاز البأس بها ، وذلك مَثلُّ لجميع مَا خوله العبد مِنَ الدُّنْيَا وَهُوَ سريع الذهاب ، لأَنَّهُ إذا بقيَ لك لم يبق لَهُ ، ﴿كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ﴾ أي: فاشتبك بسببه حتَّى خالط بعضه بعض ،﴿مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ﴾ مٍِنَ الحبوب والثمار والبقول ، ﴿وَالأَنْعَامُ﴾ يعني: الحشيش. ﴿حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ أظهرت زينتها بالنباتات ، واختلاف ألونه ، ﴿وَازَّيَّنَتْ﴾ وتزيَّنت بهِ وأظهرت حسنها عند إقبالها ، وأخفت عواقبها عَن أبنائها ، ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا﴾ الطامحون إِلَيْها ﴿أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ﴾ كأنَّهم ظافرون بها ، ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا﴾ عذابنا ، وَهُوَ ضرب زرعها ببعض العاهات ، بعد أمنهم واستيقانهم أنَّه قد سَلِمَ ، وأنَّه واصل إِلَيْهِم ومنتَفَعٌ بِهِ ﴿لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا﴾ فجعلنا زرعها ﴿حصيدا﴾ شبيها بِمَا يُجَذٌ مٍِنَ الزرع ، وفطعه واستئصاله ، ﴿كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ يعني : صارت كأن لم تكن ، وَمَا حصلوا منها إِلاَّ الجزاء .﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ فينتفعون بضرب الأمثال ، وَهَذَا مٍِنَ التسلية ، شبَّه حال الدنُّيَا فيِ سرعةِ نقصها ، وانقراض نعيمها بعد الإقبال بحال نبات الأَرْض في جفافه وذهابه حطاما ، بعدما الْتَفَّ وتكاثف وزيَّن الأَرْض بِخُضرته ، وَلَمَّا وصف الدُّنْيَا ، وقلَّة انتفاعها ، وسرعة ذهابها ، وكثرة آفاتها ، رغَّب فيِ عمل الآخِرَة فقال:

﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ﴾ عَن الفناء والذهاب ، يعني: الجنَّة ، وَقِيلَ: السلام هُوَ الله تعالى ، وداره: الجنّة ، يدعو عباده إِلَى جنَّته ببعث الرسل ، ونصبِ الأدلَّة ، وقيل ، سُميَت الجنَّة دار السلام لأَنَّ من دخلها سَلِمَ مِنَ الآفات ، ﴿وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٨

[سورة يونس — آية 24]

﴿ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ ﴾ أي يكفرون في الأرض ويفسدون فيها ، ويعبدون غير الله ، وذلك بغي في الأرض .

ثم قال : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾ يعني بالناس في هذا الموضع المشركين . ﴿ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُسِكُم ﴾ يعني أنه يصير عليكم ثوابه ، أي النار ثواب البغي والكفر . ﴿ مَّتَاعَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ . يقول : وإنما بغيكم وكفركم في الدنيا ، ثم ينقطع فترجعون إلى الله . وهو قوله : ﴿ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .

ثم ضرب مثل متاع الحياة الدنيا فقال : ﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ﴾ . قال بعضهم : فأخرجت الأرض ألوانها من النبات . وقال بعضهم : فاختلط ذلك الماء بالنبات الذي أنبت الله بذلك الماء . ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾ أي زينتها ، أي من نباتها من صفرة وحمرة وخضرة . ﴿ وَازَّيَّنَتْ ﴾ يعني الزينة من زهرتها ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾ أي : أن ذلك الزرع في أيديهم ﴿ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً فَجَعَلْنَاهَا حَصِيداً ﴾ أي : قد حصد وذهب أجمع . ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾ أي : كأن لم يكن ذلك الزرع بالأمس قائماً .

قال : ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ ﴾ أي نبيّن الآيات ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ . يقول : فالذي أنبث هذه الزرع في الأرض المواتِ حتى صار زرعاً حسناً ، فاهتز فأخرج زينته ، ثم أهلكه بعد حسنه وبهجته ، قادر على أن يحيي الموتى . وهو كقوله : ﴿ كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ ﴾ [ الكهف : 45 ] قال : ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الأَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ أي : إنما يقبل ذلك ويعقله المتفكرون ، وهم المومنون . وهو كقوله : ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَالِمُونَ ﴾ [ العنكبوت : 43 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٨

[سورة يونس — آية 24]

﴿ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ أَى صفتها العجيبة الشبيهة بالمثل السائِر فى الغرابة ، ووجه الشبه الاغترار وسرعة الزوال ﴿ كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ ﴾ نبات فاعل اختلط ، أَى نبت بالماءِ ما لم يكن ، ونما هو وما كان من قبل حتى اتصل بعضه ببعض ، ويجوز أَن يكون فاعل اختلط ضمير الماءِ وبه خبر نبات أَى كثر الماءُ واتصل بعضه ببعض والحال أَن به نبات الأَرض ، وما تقدم أَولى ﴿ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ ﴾ حال من النبات وذلك كالبر والشعير والذرة والسلت وغير ذلك مما يزرع والبقول ﴿ وَالأَنْعَامُ ﴾ من العشب الرطب واليابس وسوق الزرع وقشره وورقه ﴿ حَتَّى ﴾ تقريعية وعلى قول الغاية يقدر ما زال ينمو حتى ﴿ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا ﴾ ذهبها مجازا أَو زينتها من أَنواع النبات ، شبه الأَرض بعروس ورمز لذلك كما تتناول العروس حليها وتلبسه ، ورشح لذلك بقوله ﴿ وَازَّيَّنَتْ ﴾ أَصله تزينت كما قرأَ به الأَعرج والشعبى وأَبو العالية ونهر بن عاصم والحسن ، أَبدل التاءَ زايا وأَدغمها فسكن الأَول فجاءَت همزة الوصل وذلك بأَزهارها أَبيض وأَخضر وأَصفر وأَحمر وأَسود ﴿ وَظَنَّ أَهْلُهَا ﴾ أَهل الأَرض أَو أَهل الزروع أَو أَهل الثمرة أَو أَهل الزينة ، والأَول أَولى للتصريح بالأَرض ، وأَما غيره فيفهم من الأَلفاظ والضمائِر بعد تابعه لهذه الأَوجه ، وعود الضمائِر للأَرض مع الحذف كما ترى بعد أَولى ﴿ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا ﴾ متمكنون من تحصيل ثمارها وبقولها ومنافعها ﴿ أَتَاهَا ﴾ أَى أَتى نباتها ﴿ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً ﴾ تارة ليلا وتارة نهاراً ، وسواءٌ زمان غفلتهم كليل وزمان عدم غفلتهم إِذ لا قدرة لهم على دفع أَمر الله تعالى وفى ذكر الليل والنهار تلويح إِلى ذلك ﴿ فَجَعَلْنَاهَا ﴾ جعلنا نباتها ﴿ حَصِيداً ﴾ أَى مثل حصيد كزرع محصود بالمناجل وحذف المضاف فى قوله أَتاها وجعلناها كما رأيت للمبالغة كأَنه أَتى القضاءُ أَو القدر نفسه ، وجعل الأَرض نفسها حصيدا ، وكذا حذف مبالغة فى قوله ﴿ كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ ﴾ أَى كأَنه أَى الشأْن ، أَو كأَنها أَى القصة أَو كأَن الأَرض أَى نباتها لم يلبث ، أَى لم يلبث نباتها بالأَمس وهو اليوم الذى قبل يومه ، وهذا لكونه أَبلغ فى التوضيح والتمثيل ، وأَقرب لأَنه واقع على ظاهر ، أَولى من تفسيره بمطلق الزمن الماضى ، شبه الهيئة النتزعة من مجموع الحياة الدنيا وسرعة انقضائِها وذهاب نعيمها بعد حصولها بالهيئة المنتزعة من مجموع خضرة النبات والزروع وبهجتها وزوالها فجأَة وكونها حطاماً بعد ما كان غضاً طريا ، ووجه الشبه الهئةُ المجتمعة من مطلق سرعة الانقضاءِ بعد الإِقبال والاغترار ، وإِن شئت فقل فى أَخذت الأَرض زخرفها وازينت استعارة تمثيلية شبهت الهيئة المنتزعة من الأرض وأَصناف النبات وأَلوانها بالهيئة المجتمعة من العروس وتلبسها بأَنواع الثياب ذوات الأَلوان والتحلى بما هو زينة ، أَو شبه نباتها بالهالك أَى جعلنا نباتها هالكاً ، فشبه الهالك بالحصيد ، وأُقيم اسم المشبه به مقامه ﴿ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ ﴾ نبين ﴿ الآيَاتِ ﴾ آيات القرآن ، ومنها هذه الآية أَو الدلائِل من إِنزال الماءِ والإِنبات به نباتها بعد كماله ، إِلا أَن التفصيل فى قوله عز وجل نفصل لا يتبادر إلى ذلك ويحتاج إِلى تفسير بالتصريف على الترتيب المذكور من الإِيجاد والإِعدام وتقديم السبب ، وهو الماءُ إِلا أَن فيه حكمة هى التنبيه على أَحوال الدنيا عموماً حالاً ومَالاً ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ وغيرهم وخصهم لأَنهم المنتفعون بها ، وعن أَبى ملزم كان مكتوباً إِلى جنب هذه الآية ونسخ : ولو أَن لابن آدم واديين من ذهب لتمنى ثالثاً ولا يشبع نفس ابن آدم التراب ويتوب الله على من تاب .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٣٨٨