سورة هود · الآية ١٨ من ١٢٣

‹ السورة السابقة
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُو۟لَٰۤئِكَ یُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَیَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰۤؤُلَاۤءِ ٱلَّذِینَ كَذَبُوا۟ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِینَ١٨
الرسم الإملائيّ

وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ

الجزء ١٢الربع ٨٩ صفحة ٢٢٣

تفسيرها

[سورة هود — آية 18]

﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا﴾ أي: ليس أحد أظلم منه ، وهو يعم جميع العصاة ، ﴿أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ﴾ (لعله) قسرا فيسألهم عن أعمالهم ، ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ﴾ قيل: إنهم الملائكة ، أو الأنبياء والعلماء : ﴿هَـؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ لأنفسهم الكاذبين على ربهم.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٩١

[سورة هود — آية 18]

قوله : ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِباً ﴾ على الاستفهام ، أي : لا أحد أظلم منه . وافتراؤهم على الله أن قالوا إن الله أمرهم بما هم عليه من عبادة الأوثان ، وتكذيبهم بمحمد ، يعني به مشركي العرب .

قوله : ﴿ أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ ﴾ [ أي : الأنبياء ] ﴿ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ .

ذكروا عن صفوان بن محرز أنه قال : بينما أنا أحدث ابنَ عمر إذ عارضه رجل فقال : يا أبا عبد الرحمن ، كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسألة الربِّ عبدَه المؤمنَ يوم القيامة . قال : سمعته يقول : « إن الله يسأل عبده المؤمن يوم القيامة ، ويخبره بستره من الناس ، فيقرّره بذنوبه فيقول : عبدي ، أتعرف ذنب كذا وكذا؟ فيقول : يا رب ، أعرف؛ حتى إذا قرّره بذنوبه ، وظنّ في نفسه أنه قد هلك قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم؛ ثم يُعطى كتابَ حسناته . وأما الكافر والمنافق فإنه ينادي الأشهاد : ﴿ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ »

والكذب على الله من وجهين : فكذب المشركين ادعاؤهم الأنداد والأولاد لله . وكذب المنافقين في نصبهم الحرام ديناً ، وادعاؤهم على الله ديناً غيرَ دينه ، واستخلالُهم ما حرّم الله .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٩١

[سورة هود — آية 18]

﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِباً ﴾ من إِثبات الشريك والولد ونفى إِنزال ما أَنزل ونسبة ما لم ينزل إِليه ومن ذلك إِثبات البحيرة ونحوها وتحريم ما أَحل وتحليل وما حرم ، وقول عبدالله بن سعيد بن أَبى سرح الذى يكتب لرسول الله صلى الله الوحى وقول اليهودى ما أَنزل الله على بشر من شىءٍ ، ويجوز أَن يكون المراد لا أَظلم منى إِن كذبت على الله تعالى بأَنه أَرسلنى وأَنزل على كتاباً ، وأَن يكون المراد لا أَظلم منكم فى نفى أَن يكون القرآن من الله عز وجل ﴿ أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ ﴾ عرضاً يترتب عليه العذاب ويفتضحون به عند الخلائق ، فإِنه لا يسعد أَحد إِلا نودى فى الموقف : سعد فلان سعادة لا شقاوة بعدها ، نداءً يسمعه أَهل الموقف كلهم ، وكذلك الشقى ، ومعنى عرضهم على الله عرض أَعمالهم وحكمة ذكرهم دون ذكر أَعمالهم أَن عرض العامل بعمله أَفظع عليه من عرض عمله مع غيبته ، والله متنزه عن المكان وعالم بكل شىءٍ ، وذلك مجاز فى الإِسناد أَو كناية عن شبه حالهم بحال الجند المعروضين على السلطان أَو نائِبه لا ليعرفهم بل ليأْمرهم ، وذلك على حذف مضاف كما رأَيت ، وقيل لا حاجة إِلى تقديره لأَن عرضهم يتضمن عرض أَعمالهم ، وقيل عرضهم مجاز عن إِظهار أَعمالهم ، وقدر بعض مضافاً أَيضاً فى قوله على ربهم أَى على ملائِكة ربهم أَو على أَنبياءِ ربهم ، واختار ذكر الرب ردا عليهم فى دعوى أَرباب من دونه عز وجل ﴿ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ ﴾ جميع شهيد كشريف وأَشراف أَو شاهد كصاحب وأَصحاب ، وهذا مرجوح لضعف جمع فاعل على أَفعال والأَول أَولى على أَن شهيد بمعنى شاهد لا بمعنى حاضر ، لأَن المراد الشهادة لا الحضور ، كما يناسبه قوله هؤلاءِ الذين الآية لكن إِن كان المراد بالأَشهاد الجوارح فالحضور أَنسب إِلا أَن القول منها بلسان الحال مجاز فنقول ينطقها الله عز وجل ، والمتبادر أَن الأَشهاد غيرهم وهم الملائِكة والأَنبياءُ ، وقيل : والمؤمنون ، وقيل أَهل الموقف ، والعطف على يعرضون ﴿ هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا علَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ هنا تم كلام الأَشهاد ، أَو عند قوله عن ربهم ، وقوله أَلا إِلخ من الله ، قاله قبل يوم القيامة ، إِخبارا بأَنهم ملعونون من الله قبل يوم القيامة ، وقيل : تم فى قوله يضاعف لهم العذاب ، وأَنه دعاءٌ بمضاعفة العذاب وليس بشىءٍ ، والأَول أَولى لأَنه أَشد عليهم وهو الوارد فى قوله صلى الله عليه وسلم : « إِن الله تعالى يدنى المؤمن يوم القيامة فيستره من الناس فيقول : عبدى أَتعرف ذنب كذا؟ أَتعرف ذنب كذا؟ فيقول : نعم . فيقرره بذنوبه ويرى فى نفسه أَنه هلك ، فيقول الله عز وجل : قد سترتها عليك فى الدنيا وقد غفرتها لك اليوم ، ثم يعطى كتاب حسناته ، وأَما الكافر والمنافق فيقول الأَشهاد هؤُلاءِ الذين كذبوا على ربهم أَلا لعنة الله على الظالمين » ، وهو ظالم والظالمين عام ، فيدخل الذين كذبوا على ربهم بالأَولى ، أَو هم المراد فيكون من وضع الظاهر موضع المضمر .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٩١