وَقِیلَ یَٰۤأَرۡضُ ٱبۡلَعِی مَاۤءَكِ وَیَٰسَمَاۤءُ أَقۡلِعِی وَغِیضَ ٱلۡمَاۤءُ وَقُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِیِّۖ وَقِیلَ بُعۡدࣰا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِینَ٤٤
الرسم الإملائيّ
وَقِيلَ يَاأَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَاسَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
الجزء ١٢الربع ٩١ صفحة ٢٢٦
تفسيرها
﴿وَقِيلَ: يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ ، وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي﴾ أمسكي ، ﴿وَغِيضَ الْمَاء﴾ نقص ، ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ وأنجز ما وعد الله نوحا من إهلاك قومه ، ﴿وَاسْتَوَتْ﴾ واستقرت﴿عَلَى الْجُودِيِّ﴾ قيل: جبل بالموصل ، ﴿وَقِيلَ : بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: سحقا لقوم نوح . أجمع أهل الفصاحة أن طاقة الشر قاصرة عن الإتيان . بمثل هذه الآية ، بعد أن فتشوا عامة كلام العرب والعجم ، فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها ، وحسن نظمها ، وتصوير الحال ، مع الإيجاز من غير إخلال.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٧
﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ﴾ أي : ابلعي ما كان عليك ﴿ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ ﴾ أي : ونقص الماء . غاض فذهب ، أي نَشِفَتْه الأرض ، وقال بعضهم : ﴿ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ ﴾ ، أي : ابلعي ما كان عليك ، ﴿ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي ﴾ أي : أمسكي ، وغيض الماء والغيضوضة : ذهابه .
[ ﴿ وَقُضِيَ الأَمْرُ ﴾ أي فرغ منه ، يعني هلاك قوم نوح ] .
قال : ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ ﴾ أي : السفينة . والجودي جبل بالجزيرة بموضع يقال له : باقِردَى . قوله : ﴿ وَقُضِيَ الأَمْرُ ﴾ قال مجاهد : وهلك قوم نوح .
قال بعضهم : قال الله لآدم عليه السلام : يا آدم ، أَهبِط معك بيتي يطاف حوله كما يطاف حول عرشي . فطافَ آدم ومن معه من المؤمنين . فلما كان زمان الطوفان ، حيث أغرق الله قوم نوح ، رفعه الله وطهّره من أن تصيبه عقوبة أهل الأرض ، فصار معموراً في السماء .
قال : وبلغنا أن السفينة لما أرادت أن تقف تطاول لها الجبال ، كل جبل منها أحب أن تقف عليه ، وتواضع الجودي ، فجاءت حتى وقفت عليه .
وقال بعضهم : أبقاها الله بباقردي من أرض الجزيرة عبرة وآية حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة ، وكم من سفينة بعدها صارت رماداً .
قوله : ﴿ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمينَ ﴾ أي المشركين ، قوم نوح .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٧
﴿ وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِى مَاءَكِ ﴾ خاطبها أَولا لأَن الماءَ نبع منها أولا قبل نزول ماءِ السماءِ ، أَى الماءُ الذى فيك منك أَو من السماءِ ، والمراد بأَمر فى جاءَ أَمرنا ومن أَمر الله الإِهلاك لا الماءُ فضلا عن أَن يقال عبر بالأَمر فى ذلك للتهويل عن الماءِ وهنا بالماءِ لأَن المقام النقص ﴿ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِى ﴾ أَمر السماءَ بالإِقلاع حين علا الماءُ على الجبل الأَعلى أَربعين ذراعا ، وكانت السفينة تجرى بعد ذلك وقد كفت الماءُ وبعد ذلك بمدة أَمر الأَرض بالبلع ، فقدم ما أَخر وأَخر ما قدم ، ويجوز أَن تكون السماءُ ما زالت تنزل فى غير السفينة مع جريان السفينة إِلى أَن أَراد الله فأَمر السماءَ بالكف والأَرض بالبلع ، ولعل الأَرض أَيضا ما زالت تنبع كالسماءِ فأَمرها ببلع ما عليها من مائِها وماءِ السماءِ ، وقيل ماءُ السماءِ صار بحارا ، وقيل الجارى من الماءِ الذى عليه العرش والبلع وظيفتها ، وليس للسماءِ بلع ولكن كف فكفت ، وحذف ذكر أَن يقول للأَرض أَقلعى ، والبلع إِدخال الطعام أَو الشراب فى البطن تشبيها بأَكل الحيوان ما يأْكل أَو يشرب وهو حقيقة فيهما ، وقيل حقيقة فى الطعام فقط وليس كذلك ، وزعم بعض أَن البلع الازدراد لغة حبشية وبعض أَنه بمعنى الشرب لغة هندية ، وكل من فسر القرآن بغير لغة العرب فهو من المغرقين فى الجهل إِلا ما قام دليله ، والإِقلاع الكف . وتقدير الكلام : وقال الله أَى أَمر بالبلع والإِقلاع وإِنجاءِ المؤمنين ، وقيل أَتم الأَمر ومكثت السفينة على الماءِ خمسة أَشهر وعلى الجودى شهرا أَو أَربعين يوما ، وقيل جرت ستة أَشهر ﴿ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ ﴾ استقرت عليه ، وإِذا أُريد القصد تعدى بإِلى نحو قوله تعالى : ثم استوى إِلى السماءِ . والجودى جبل بالموصل أَو بالشام أَو بآمد بالمد وضم الميم ، ويجوز فتحها وبعض يقول آمل باللام ، وقيل جبل بالعراق وخرجوا منها فى عاشر المحرم وقد ركبوها فى عاشر رجب أَو حادى عشر منه وصاموا بقية يومهم ، أَو نووا الصوم من قبل فجره ، وذلك شكر لله تعالى على إِنجائِهم وإِهلاك عدوهم ، وقيل صام معهم الوحش والطير والدواب والأَنعام ، وكانت قرية الثمانين قريبة من الجودى ، أَوحى الله إِلى الجبال أَن السفينة ترسو على واحد منها فتطاولت إِلا الجودى فإِنه بقى على حاله تواضعا لله فأَرساها الله عليه ، قال صلى الله عليه وسلم « بقى منها شىءٌ أَدركه أَوائِل هذه الأُمة » ، وأَراد نوح عليه السلام أَن يبعث من يأْتيه بخبر الأَرض فقال الدجاج : أَنا ، فأَخذه وختم على جناحه وقال أَنت يخاتمى لا تطيرى أَبداً تنتفع بك اُمتى ، فبعث الغراب فأَصاب جيفة فأَكل منها فلعنه ، قيل وذلك يقتل فى الحرم ودعا عليه بالخوف فلا يأْلف البيوت ، وبعث الحمامة فلم تجد قرارا فوقفت على شجرة فى سبإِ ، فحملت ورقة زيتون إِليه وعلم أَنها لم تستمكن من الأَرض ثم بعثها بع فرأَت موضع الكعبة باديا وقد هدمها الطوفان وحفظ الحجر فى أَبى قبيس ، وكانت تربتها حمراءَ فخضبت رجليها بها فجاءَته فقالت : بشراى أَن تجعل الطوق فى عنقى والخضاب فى رجلى وأَن أَسكن الحرم ، فمسح على عنقها فطوقها ووهب لها الحمرة فى رجليها ودعا لها ولأَولادها بالبركة وفى أَهل بيت يتخذها وبأَن تحبب إِلى الناس ، وقال لولا أَن يغلبك الناس على نفسك لدعوت الله أَن يجعل رأْسك من الذهب ، واعلم أَنى أَذكر القصص فى التفسير ولو مع كثير منها عندى ليستريح إِليها القارىء والمستمع ﴿ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ مصدر بعد بالضم والكسر بمعنى هلك أَو بعد بالضم ضد قرب ، واللام متعلقة به أَو بناصبه المحذوف أَو بمحذوف خبر أَى ذلك للقوم أَو بقيل ، ذكرهم بلفظ الظلم لأَنه علة هلاكهم ولاستحضار ما مر من قوله ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا ، وأَما الأَطفال فأُغرقوا كما أُغرقت الدواب وكما أُهلكت أَطفال الأُمم السابقة معهم ، لا عقوبة إِذ لا ذنب لهم ماتوا بالطوفان كما يموتون بالعقرب والحية والحرق وغير ذلك ، عافانا الله بحق الله لا إِله إِلا هو رب العرش العظيم ، ولم يصح ما قيل أُعقمت أَرحام النساءش قبل الطوفان أَربعين عاما ، وهذا كما قيل تعقم قبل الساعة بأَربعين عاما .
ويروى أَن قريشا عكفوا على لباب البر ولحم الضان وسلاف الخمر أَربعين يوما لتصفوا دهانهم فيعارضوا القرآن فأَخذوا فى قصدهم فسمعوا قوله تعالى : وقيل يا أَرض . الآية فقال بعض لبعض هذا لا يشبه كلام الخلق فتفرقوا عنه المعارضة .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥١٧