سورة هود · الآية ٨٨ من ١٢٣

‹ السورة السابقة
قَالَ یَٰقَوۡمِ أَرَءَیۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَیِّنَةࣲ مِّن رَّبِّی وَرَزَقَنِی مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنࣰاۚ وَمَاۤ أُرِیدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَاۤ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِیدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِیقِیۤ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَیۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَیۡهِ أُنِیبُ٨٨
الرسم الإملائيّ

قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ

الجزء ١٢الربع ٩٣ صفحة ٢٣١

تفسيرها

[سورة هود — آية 88]

﴿قَالَ:يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي، وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ يعني: النبوة والرسالة ، تقديره :" فهل يسع لي مع هذه الأنعام الجامعة للسعادات الروحانية والجسمانية ، أن أخون في وحيه فأخالفه في أمره ونهيه" ، وهو اعتذار منه (لعله) المألوف ، والنهي عن دين الآباء . ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ يعني: أسبقكم إلى شهواتكم التي نهيتكم عنها ، لأستبد بها. ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ ما أريد إلا إصلاح أحوالكم في الدنيا والآخرة ، بموعظتي ونصيحتي وأمري ونهيي طول استطاعتي ، ما دمت متمكنا لا آلو فيه جهدي. والتنبيه على أن العاقل يجب أن يراعي في كل ما يأتيه ويذره أحد حقوق ثلاثة: أهمها وأعلاها : حق الله تعالى ، وثانيها: حق النفس ، وثالثها: حق الناس ، قال غيره: والمراعاة لأداء حقوق الناس ، إنما ذلك من شروط مراعاة حقوق النفس ، إذا كانت من الفرائض اللازمة له عليهم. ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ﴾ وما كوني موفقا لإصابة الحق فيما أعمل ، إلا بمعونته وتأييده ، (لعله) والتوفيق : تسهيل سبيل الخير.﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ اعتمدت ، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أرجع في السراء والضراء.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٦١

[سورة هود — آية 88]

﴿ قَالَ يَاقَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي ﴾ أي : على أمر بيِّن من النبوة ﴿ وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً ﴾ أي : النبوة ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ فأفعله ، في تفسير الحسن . وقال غيره : لم أكن لأنهاكم عن أمر فأركبه .

﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِالله ﴾ أي : وما اعتصامي إلا بالله؛ أي : إن الله الموّفِقُ الهادي إلى كل خير . ﴿ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ أي بقلبي وعملي .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٦١

[سورة هود — آية 88]

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتِ عَلىَ بَيِّنَةٍ ﴾ علم وحجة ونبوة ورسالة ﴿ مِنْ ربِّى رَزَقَتِى ﴾ أَى ربى ﴿ مِنْهُ ﴾ من ربى ﴿ رِزْقاً حَسَناً ﴾ حلالا غير حرام كما تأْخذونه بالتطفيف والبخس أًفأَشوب الحلال الذى رزقى بالحرام وأَكفر نعمته ، العقل الرشيد لم يقبل ذلك ، وكيف أُقابل النبوة والعلم والرسالة بما يناقضهن وأُخون ، كيف يليق بالحيلم الرشيد أَن يحالف أَمر ربه ونهيه ، واحترز بالحسن عن القبيح وهو الحرام ، فإن الحرام قبيح فمن أَكله فقد أَكل رزقه ويعاقب عليه إِن كان مما يعرف بالعلم ، وشمل الرزق الحسن ما بالكسب بالسهل وما بالكسب الكد وما بلا كسب ، وفسر بعضهم الرزق الحسن بما لا كد فيه ، وبعض النبوة والحكمة لأَنهما سبب تعاطى الحلال خاصبة وسبب العيشة الدائِمة فى الآخرة فيكون ردا على قولهم تعاطيت مالا نفع فيه ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنهَاكُمْ عَنْهُ ﴾ لا أَفعل ما أَنهاكم عنه فأَكون أَنهاكم عنه ليتخلص لى ولا تشاركونى فيه ، وأَكون قد ذهبت إليه خلفكم أَى بعد إِعراضكم عنه وأَخلفكم فيه ، فهو رباعى فى معنى الثلاثى ، وحاصله ما أُرِيد أَن أَكون خلفا منكم فيما أَنهاكم عنه ، أَو من المخالفة ضد الموافقة ، وإّذا فعلت ما تولى عنه قيل خالفته إِليه ، وعدى بإِلى لتضمنه معنى الميل والسبق كأَنه قيل ، ما أُرِيد أَن أُخالفكم مائِلا إلى ما أَنهاكم عنه كما قدره بعض ، وإذا تركته وهو قاصد إِليه قبل خالفته فيه ﴿ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ ﴾ ما أُرِيد بأَمرى لكم ونهيى لكم إلا إصلاح حالكم بدين الله والنصح والوعظ ﴿ مَا اسْتَطَعْتُ ﴾ ما دمت أَستطيع إِصلاحكم فلو وجدت ما أَنتم عليه صلاحا لكم لم أَنهكم عنه ولو أَتخلف عنه ، ويجوز أَن يكون ما اسما بدلا من الإصلاح ، كأَنه قيل إِلا المقدار الذى أَستطيعه فهو بدل كل بأَن يراد به الإصلاح المذكور لأَنه لا يوجد إِلا ما أُطيق ، أَو الإِصلاح إِصلاح ما استطعته من الإصلاح فهو بدل بعض باعتبار أَن مطلق الإصلاح بحسب مفهومه أَعم من ذلك الإصلاح المقدر ولا يصح هنا بدل الاشتمال فلا تهم ، يجب على العاقل أَن يراعى من الدين الأَهم فالأَهم مما هو حق الله وحق النفس وحق الناس كما فعل شعيب ، قوله يا قوم إِلخ فى حق الله فإن المراد كيف أَشوب الحلال بالحرام وأَكفر النعمة ، وقدم التوحيد وهم أَهم ، وقوله وما أُرِيد أَن أَخالفكم فى حق نفسه يصونها عما يعيبها وقوله : إِن أُريد إِلخ فى حقهم ﴿ وَمَا تَوْفِيقِى ﴾ ما جنس توفيقى فى إصلاحكم وفى كل ما آتى وما أَذر أَى لا فرد من أَفراد توفيقى ، والمصدر المضاف من صيغ العموم فهو عام إلى الإصلاح المذكور وإصابة الحق وطاعة الله وترك المعاصى ﴿ إٍلاَّ بِاللهِ ﴾ إلا بهداية الله تعالى ، والتوفيق فعل لله تعالى والباءُ لا تدخل على الفاعل ، وإِذا أَكرمك زيد لم تقل إِكرامى بزيد بل من زيد فيقدر مضافا خروجا عن ذلك أَى إِلا بتأْييد الله ﴿ عَلَيْهِ ﴾ لا على غيره ﴿ تَوَكَّلت ﴾ فى جميع أُمورى ومنها أَمركم ، فإِنه القادر عليها وعلى غيرها ، وهذا متضمن للتوحيد إِذ جعل غير الله حاجزا ، وتهديد بأَن الله عز وجل كاف معين لمن توكل عليه ينتقم له ﴿ وَإِلَيْهِ ﴾ لا إِلى غيره ﴿ أُنِيبُ ﴾ أَرجع فى المصالح ومنها إِصلاحكم ودفع المضار ، وبالبعث ، وفى الآية الاستعانة بالله فيما يفعل وما يترك وقطع أَطماع الكفار عنه وتهديد بالرجوع إِلى الله بالجزاءِ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٥٦١