سورة يوسف · الآية ١٩ من ١١١

‹ السورة السابقة
وَجَاۤءَتۡ سَیَّارَةࣱ فَأَرۡسَلُوا۟ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُۥۖ قَالَ یَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمࣱۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةࣰۚ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِمَا یَعۡمَلُونَ١٩
الرسم الإملائيّ

وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَابُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

الجزء ١٢الربع ٩٥ صفحة ٢٣٧

تفسيرها

[سورة يوسف — آية 19]

﴿وَجَاءتْ سَيَّارَةٌ﴾ رفقة تسير ، (لعله) وهم : القوم المسافرون ، سموا سيارة لأنهم يسيرون في الأرض ، ﴿فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ﴾ هو الذي يرد الماء ليستقي للقوم ، ﴿فَأَدْلَى دَلْوَهُ﴾ أرسل دلوه ليملأها ، ﴿قَالَ يَا بُشْرَى﴾ نادى البشرى ، كأنه يقول: تعالي ، أو هو اسم غلامه ، فناداه مضافا إلى نفسه ، ﴿هَـذَا غُلاَمٌ ، وَأَسَرُّوهُ﴾ الضمير للوارد وأصحابه ، أخفوه من الرفقة ، أو غيرهم ، ﴿بِضَاعَةً﴾ أي: جعلوه متاعا للتجارة ، والبضاعة : ما بضع من المال للتجارة أي: قطع ، ﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦١٥

[سورة يوسف — آية 19]

قوله : ﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ ﴾ الذي يرد الماء ليستقي للقوم . وقال بعضهم : واردهم : رسولهم . ﴿ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾ أي : في الجب ، وهي بئر بيت المقدس . فلما أدلى دلوه تشبّث بها يوسف .

قال الحسن : ف ﴿ قَالَ ﴾ الذي أدلى دلوه في البئر : ﴿ يَا بُشْرَىَ هَذَا غُلاَمٌ ﴾ يقول لصاحبه : البشرى! قال له صاحبه : ما وراءك؟ قال : هذا غلام ، فأخرجوه . وقال بعضهم : يا بشراي هذا غلام ، أي : تباشروا به حين أخرجوه .

قوله : ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَالله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ قال بعضهم : أخفوه من أصحابهم . وقالوا : هو بضاعة استبضعناه أهل الماء لنبيعه لهم بمصر .

وقال بعضهم : كان إخوة يوسف ، وهم عشرة ، قريباً منهم حين أخرجوه من الجب؛ فجاءوا فقالوا : هذا غلام لنا أبقَ منا ، فباعوه منهم ، فهم الذين أسروه بضاعة فباعوه .

وقال مجاهد : وأسروه بضاعة ، أي : صاحب الدلو ومن كان معه قالوا لأصحابهم : إنما استبضعناه ، مخافة أن يستشركوهم فيه إن علموا بثمنه . قالوا : إنما استبضعناه ، وإخوته معه يقولون : استوثقوا منه لا يأبِق حتى تبيعوه بمصر . وقال يوسف : من يبتاعني فليبشر .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦١٥

[سورة يوسف — آية 19]

﴿ وَجَاءَتْ ﴾ بعد ثلاثة أَيام وقيل : فى اليوم الثانى ﴿ سَيَّارَةٌ ﴾ جماعة مسافرون ، سموا سيارة لسيرهم فى الأًرض ساروا من مدين إِلى مصر ، أَو من جهتها ، وهى قريبة من مصر فأَخطأُوا الطريق وهى فى قفراءُ الجب ، ونزلوا قريباً من الجب واختير أَنها على طريقهم وهى فى قفراءُ بعيدة عن العمران ، تردها المارة والرعاة ، ولو كان ملحاً لعزة الماءِ فى القفار ، ولما كان فيها يوسف عذب ، ﴿ فَاَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ ﴾ تذكير للمعنى ، ولو قال فأَرسلت واردها لكان على اللفظ ، والوارد الذى يرد الماءَ ليستقى ، أُضيف إِليهم لأَنه منهم ويستقى لهم وله ، وهو مالك بن دعر الخزاعى من أَهل مدين ﴿ فَأَدْلَى دَلْوَهُ ﴾ أًرسلها إِلى أَسفل ليملأَها ماءً فتعلق بها يوسف أَو بحبلها فأًخرجه ، وكان الحبل قوياً أَو ضعيفاً ، والله قادر ، وذلك كما مر بعد ثلاثة أَيام ، وبكت البئْر وجدرانها وما فيها حين أَخرج فإِما أَن يمتلىء البئْر للدلو فيرفع منها ، أَو منعها نم الامتلاء ﴿ قَالَ يَا بُشْرَى هذا غَلاَمٌ ﴾ احضرى هذا أَوان حضورك نزلها منزلة العاقل ، ورمز لذلك بلازم العاقل ، وهو النداءُ فذلك مكنية وتخييلية ، وتجوز التمثيلية ، والشارة لنفسه أَو له ولقومه ، وقيل : بشى اسم لصاحبه أَضافه لنفسه ، أَو خادم أَو غلام له ، وناداه ليعينه على حمله ، وهذا على أَنه رأَى قبل الرفع أَو فى حاله ، وخاف أَن يسقط أَو يعجز ، أَو حين وصل فم البئْر ليعينه على الرفع وعلى الإٍخراج من فم البئر ، وقيل : المنادى محذوف أََى يا قوم اسمعوا بشراى ، يقول هذا ولو كانوا لا يسمعونه ولا يحب سماعهم ويقوله ولو قولا خفياً كما أَسروه عن سَائِرِ الرفقة ، والغلام بعد الحولين إِلى البلوغ ، وكان يوسف أَحسن ما يكون من الغلمان أُعطى شطر الحسن وورثه من جدته سارة ، وقد أُعطيت سدس الحسن وعن محمد بن إِسحاق : ذهب يوسف وأُمه بثلثى الحسن ، وكان يشبه آدم عليه السلام قبل أَن يأْكل من الشجرةِ ، فكان حسن الوجه والشعر ضخم العينين مستوى الخلق أَبيض اللون غليظ الساعدين والعضدين والساقين ، خميص البطن ، وصغير السرة ، وإذا تبسم ظهر النور من ضواحكه ، وإٍِذا تكلم ظهر من ثناياه ، ولا يستطاع وصله ﴿ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ﴾ أَسره السيارة مالك بن دعر وأَصحابه أَى أَخفوه عن باقيهم ، أَو مفعول ثان لجعل محذوف أَى جاعليه بضاعة ، والمراد أَنهم أَخفوا أَمره ، وقالوا لباقيهم : أَعطاناه أَهل الماءِ لنبيعه فى مصر ، والثمن لهم ، وقالوا كذلك لئَلا يطلبوا منهم الشركة ، وقيل : أَخفوا ذات يوسف ، فلم يقولوا وجدناه ، ولو قالوا رفعناه من البئْر أَو استبضعناه لطلبوا الشركة فيه ، وعن ابن عياس : أسروه إِخوته ، أَى أَخفوا أَنه أَخ لهم ، أَتاه يهوذا على عادته ليدلى إِليه الطعام فى البئْر على عادته ، فوجده مع رافعه منها ، أَو وجده فى الرفقة ، فأَخبر إٍخوته ، وقد رجعوا إِلى الجب يتفقدون حال يوسف فجاءُوا فقالوا : عبد أَبق منا فاشتراه السيارة ، وعلى هذا يكون الواو للإِخوة ، ويعارضه قوله بضاعة؛ فإِن إِخوته لم يجعلوه بضاعة ، إِلا أَن يقال : إِنهم قالوا إِنه غلام لهم أَتوا به بضاعة ، كأَبق ولم ينكر العبودية؛ لأَ ، هم قالوا له بالعبرانية : إِن أَنكرت العبودية قتلناك ﴿ وَاللهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ أَى بما يعمل السيارة من تملك الحر وبيعه ، أًو بما يعمل إِخوة يوسف من إِلقائه فى البئْر ودعواهم أَنه عبد لهم وبيعهم إِياه؛ وغير ذلك مما فعلوا بيوسف وأَبيه ، أَو بما يعمل السيارة من دعوى عبوديته ، وما يعمل الإِخوة من إِلقائٍه فى البئر ، وغير ذلك ، أَو يعاقبه ما عملوا كلهم ، وهى ما يجرى له فى مصر مع زليخا والسجن وكونه ملكاً يرحم الله به العباد والبلاد فى قحط الإِسلام والطعام .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦١٥