وَسۡءَلِ ٱلۡقَرۡیَةَ ٱلَّتِی كُنَّا فِیهَا وَٱلۡعِیرَ ٱلَّتِیۤ أَقۡبَلۡنَا فِیهَاۖ وَإِنَّا لَصَٰدِقُونَ٨٢
الرسم الإملائيّ
وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ
الجزء ١٣الربع ٩٨ صفحة ٢٤٥
تفسيرها
﴿ وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ أي: أرسل إلى أهلها فاسألهم عن كنه القصة ، ﴿ وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ وأصحاب العير ، وهي القافلة ، ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ في قولنا ، فرجعوا إلى أبيهم ، فقالوا له ما قال لهم أخوهم . فإن قيل: كيف استجاز يوسف أن يعمل هذا بأبيه ، ولا يعمله بمكانه ، وحبس أخاه مع علمه بشدة وجده عليه ، وفيه معنى العقوق ، قيل: عمل ذلك بأمر الله ليزيد في بلاء يعقوب ، فيضاعف له الأجر ، ويلحقه في الدرجة بآبائه الماضين.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٧٨
﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَاَ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ أي : من سرقته ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ أي : ما كنا نرى أنه يسرق .
قال : ﴿ وَاسْئَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ﴾ أي : أهل القرية ﴿ وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ أي : أهل العير التي أقبلنا فيها ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ .
قالوا ذلك له فلم يصدقهم و ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ أي : زيَّنت لكم أنفسكم ﴿ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ . قال مجاهد : الصبر الجميل : الذي ليس فيه جزع . كان مفزع يعقوب في يوسف وأخيه جميعاً إلى الصبر الجميل الذي لم يخالطه الجزع . وكل صبر فيه جزع فليس بجميل .
قوله : ﴿ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ أي : يوسف وأخيه [ وروبيل ] ﴿ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ ﴾ أي : العليم بخلقه ﴿ الحَكِيمُ ﴾ أي : في أمره .
﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾ أي : وأعرض عنهم ﴿ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ أي : يا حزنا على يوسف ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ ﴾ أي : عمي ﴿ مِنَ الحُزْنِ ﴾ على يوسف . وقد علم بما أعلمه الله بالوحي أن يوسف حي ، وأنه نبي ، ولكنه لا يعلم حيث هو ، فمكث يبكي . ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أي : قد كظم على تردد حزنه في جوفه .
وبلغنا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء في السجن ، فقال له يوسف : أيها الملك الطاهر المطهَّر ، الكريم على الله ، ما أدخلك هذا المكان الرجس النجس مع القوم الظلمة . قال جبريل : إن المكان الذي تكون فيه ليس بنجس . فقال له يوسف : أيها الملك الكريم على الله ، أخبرني ما بلغ وجد يعقوب على يوسف؟ قال : وجد سبعين ثكلى . قال : فما بلغ منه؟ قال : ذهب بصره . قال فما بلغ أجره؟ قال : على قدر ذلك .
وذكر بعضهم أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له يعقوب : أيها الملك الكريم على ربه ، أسألك بعظمة إلاهك وجبروته هل قبضت روح يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ فقال : لا والله ما قبضت روحه وإنه لحي كما أنك حي .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٧٨
﴿ واسأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا ﴾ اسأَل أَهل القرية التى كنا فياه وهى مصر على أنهم ردوا إليها للتفتيش ، أو قرية بعدها على أنهم لم يردوا إليها ، وتطلق القرية أيضاً على أَهلها مجازا أَو حقيقة ، وسميت القرية قرية لأنها تقرى الناس أى تجمعهم ، قريت الماء فى الحوض جمعته ، والأَولى أن المراد مصر؛ لأَن قوله : كنا فيها يناسبه أَشد القرية الأُخرى فلم يطل مكثهم فيها ، وما معنى الكون فيها إلا إلا كونهم فيها حين استخراج الصاع على هذا القول ، ومعنىقولهم اسأَل القريةَ ، أَرسل إِلى أَهلها يجيبوك لأَن يعقوب فى الشام لا فى مصر وأًعمالها ، والمراد أسأَلهم عن القصة ﴿ وَالعَِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ وأَهل العير التى أقبلنا فيها ، أَو العير التى أقبلنا فيها كله اسم للناس وهم غيرنا جمعنا سفر واحد ، بل الظرفية تدل على أن الأَكثر غيرهم ، أَو فى بمعنى مع فيكون المتبوع هو الأَصل فهم تابعون فتبادر أنهم أَقل والأَصل الظرفية ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ إنا قوم عادتنا لاصدق فما يكون ما أَخبرناك به إلا حقا ، وقيل : إنا لصادقون فى قولنا أَنه سرق بحسب الظاهر ، ويدل له قوله : ﴿ بل سولت ﴾ إِلخ ، وقيل المراد : اسأَل القرية والعير على ظاهرهما بناءً على أَن الأمر ظاهر حتى لا يخفى عن الجماد والإِبل كقوله :
واسأل نجوم الليل هل زار الكرى … جفنى وكيف يزور من لم يعرف
وهذا أَيضا مجاز ، هذا آخر كلام كبيرهم الذى أَمرهم أن يقولوا لأبيهم إِذا رجعوا إِليه فقالوا له : نعم نقوله : فرجعوا إٍليه وقالوه له فأجابهم بما قال اله عنه فى قوله :
﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ ليس الأَمر كما قلتم بل زينت وسهلت أَو خيلت أنه سرق وما سرق ، والإِضراب ببل عن دعواهم الصدق أَى لم تصدقوا بل سولت بمعنى أَن ما شاهدتم ولو صدقتم فيه غير خال عن تضمن ما ينقصه ، أَو الإِضراب عما يتضمنه من البراءَة عن التسبب فيما نزل بأخيهم كما أَفتوا باسترقاق السارق ، وليس من دين الملك وفى معنى ذلك تقدير المحذوف أَى ليس حقيقة كما أخبرتهم بل سولت ، أَو الإضراب عن جعلتم وجود الصواع فى رحله الإِفتاءِ وما فعلوا بيوسف ، أَو إِضراب عن جعلهم وجود الصواع فى رحله سرقة ﴿ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ فعلتموه كيدا فى إِهلاكه أَو تغييبه ، وهبوا أنه سرق فمن أَدرى الملك أَن السارق يسترق شرعا ليعقوب والأَنبياء قبله ، وقد علمه من قولهم : ﴿ جزاؤه من وجد فى رحله ﴾ وإنما سعى فى أن لا يخبروه لأَنه يظن أَن الملك مشرك حاشاه ، والمشرك لا يملك موحدا كما أَن دماءَ المشركين والموحدين لا تتكافأُ ﴿ فصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أَى فأَمرى صبر جميل ، أَو فصبر جميل أَحسن ، أَو فالواجب صبر جميل ، أَو فعلى صبر جميل ، من الصبر الجميل أَن لا تتحدث بمصيبتك ولاتزكى نفسك ، اتهمهم لا رأى منهم فى يوسف ولعلم الملك بالاسترقاق ، واستفيد أَن الظن ، ولو قويت أَماراته وكان من أَفاضل الناس لا يؤمن كذبه فهذا يعقوب صفى الله ظن وأَخطأَ فى هذا الظن لأنه لا كيد لهم فى إِمساك بنيامين ﴿ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ يكمل لى إِتيانهم جميعا فقد جاءَ واحد وهو كبيرهم ، رجع بعد ما قال :
﴿ لن أَبرح الأَرض ﴾ وبقى اثنان يقدر الله أَن يأْتيانى فيكون قد أَتونى جميعا ، أَو الهاءُ للاثنين بنيامين ويوسف ، أَو لهما وللكبير ، على أَنه لم يرجع إٍلى أَبيه حتى يقولوا له ائْتِ ، وعسى منه عليه السلام جزم لعلمه بحياة يوسف وبأَنه سيجتمعون من الوحى أَو ترجح على احتمال أَن لاجتماعهم شرطا اختل أَو املق إِلى الله وتضرع ، ولو جزم أَو خاف لعل اجتماعهم بعد موته ، وكذلك قال لغزؤائِيل : هل قبضت روح يوسف فقال : لا ، وقد يخشى قبضه بعد قوله لا . إِذا تناهت الشدى أَتى الفرج ، وأَيضاً قال يوسف : إِذا أَتيتم أًباكم فاقرأُوا له السلام وقولوا له إن ملك مصر يدعو أَلاَّ تموت حتى ترى ولدك يوسف فيعلم أَن فى مصر صديقا ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بحالى وحالهم وبكل شىءٍ ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ فى تدبير الأَشياءِ وأَحوالها .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٧٨