سورة يوسف · الآية ٨٣ من ١١١

‹ السورة السابقة
قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرࣰاۖ فَصَبۡرࣱ جَمِیلٌۖ عَسَى ٱللَّهُ أَن یَأۡتِیَنِی بِهِمۡ جَمِیعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَلِیمُ ٱلۡحَكِیمُ٨٣
الرسم الإملائيّ

قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

الجزء ١٣الربع ٩٨ صفحة ٢٤٥

تفسيرها

[سورة يوسف — آية 83]

﴿ قَالَ : بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ﴾ ، زينت ﴿ أَمْرًا﴾ أي: حمل أخيكم إلى مصر لطلب نفع عاجل ، وقيل: فتواهم أن السارق يسترق ، ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا﴾ بيوسف وأخيه وكبيرهم ، ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ بحالي في الحزن ﴿ الْحَكِيمُ﴾ الذي لم يبتل عباده إلا لحكمة.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٧٩

[سورة يوسف — آية 83]

﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَاَ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ أي : من سرقته ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ أي : ما كنا نرى أنه يسرق .

قال : ﴿ وَاسْئَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ﴾ أي : أهل القرية ﴿ وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ أي : أهل العير التي أقبلنا فيها ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ .

قالوا ذلك له فلم يصدقهم و ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ أي : زيَّنت لكم أنفسكم ﴿ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ . قال مجاهد : الصبر الجميل : الذي ليس فيه جزع . كان مفزع يعقوب في يوسف وأخيه جميعاً إلى الصبر الجميل الذي لم يخالطه الجزع . وكل صبر فيه جزع فليس بجميل .

قوله : ﴿ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ أي : يوسف وأخيه [ وروبيل ] ﴿ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ ﴾ أي : العليم بخلقه ﴿ الحَكِيمُ ﴾ أي : في أمره .

﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾ أي : وأعرض عنهم ﴿ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ أي : يا حزنا على يوسف ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ ﴾ أي : عمي ﴿ مِنَ الحُزْنِ ﴾ على يوسف . وقد علم بما أعلمه الله بالوحي أن يوسف حي ، وأنه نبي ، ولكنه لا يعلم حيث هو ، فمكث يبكي . ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أي : قد كظم على تردد حزنه في جوفه .

وبلغنا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء في السجن ، فقال له يوسف : أيها الملك الطاهر المطهَّر ، الكريم على الله ، ما أدخلك هذا المكان الرجس النجس مع القوم الظلمة . قال جبريل : إن المكان الذي تكون فيه ليس بنجس . فقال له يوسف : أيها الملك الكريم على الله ، أخبرني ما بلغ وجد يعقوب على يوسف؟ قال : وجد سبعين ثكلى . قال : فما بلغ منه؟ قال : ذهب بصره . قال فما بلغ أجره؟ قال : على قدر ذلك .

وذكر بعضهم أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له يعقوب : أيها الملك الكريم على ربه ، أسألك بعظمة إلاهك وجبروته هل قبضت روح يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ فقال : لا والله ما قبضت روحه وإنه لحي كما أنك حي .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٧٩

[سورة يوسف — آية 83]

﴿ واسأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِى كُنَّا فِيهَا ﴾ اسأَل أَهل القرية التى كنا فياه وهى مصر على أنهم ردوا إليها للتفتيش ، أو قرية بعدها على أنهم لم يردوا إليها ، وتطلق القرية أيضاً على أَهلها مجازا أَو حقيقة ، وسميت القرية قرية لأنها تقرى الناس أى تجمعهم ، قريت الماء فى الحوض جمعته ، والأَولى أن المراد مصر؛ لأَن قوله : كنا فيها يناسبه أَشد القرية الأُخرى فلم يطل مكثهم فيها ، وما معنى الكون فيها إلا إلا كونهم فيها حين استخراج الصاع على هذا القول ، ومعنىقولهم اسأَل القريةَ ، أَرسل إِلى أَهلها يجيبوك لأَن يعقوب فى الشام لا فى مصر وأًعمالها ، والمراد أسأَلهم عن القصة ﴿ وَالعَِيرَ الَّتِى أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ وأَهل العير التى أقبلنا فيها ، أَو العير التى أقبلنا فيها كله اسم للناس وهم غيرنا جمعنا سفر واحد ، بل الظرفية تدل على أن الأَكثر غيرهم ، أَو فى بمعنى مع فيكون المتبوع هو الأَصل فهم تابعون فتبادر أنهم أَقل والأَصل الظرفية ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ إنا قوم عادتنا لاصدق فما يكون ما أَخبرناك به إلا حقا ، وقيل : إنا لصادقون فى قولنا أَنه سرق بحسب الظاهر ، ويدل له قوله : ﴿ بل سولت ﴾ إِلخ ، وقيل المراد : اسأَل القرية والعير على ظاهرهما بناءً على أَن الأمر ظاهر حتى لا يخفى عن الجماد والإِبل كقوله :

واسأل نجوم الليل هل زار الكرى … جفنى وكيف يزور من لم يعرف

وهذا أَيضا مجاز ، هذا آخر كلام كبيرهم الذى أَمرهم أن يقولوا لأبيهم إِذا رجعوا إِليه فقالوا له : نعم نقوله : فرجعوا إٍليه وقالوه له فأجابهم بما قال اله عنه فى قوله :

﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ ﴾ ليس الأَمر كما قلتم بل زينت وسهلت أَو خيلت أنه سرق وما سرق ، والإِضراب ببل عن دعواهم الصدق أَى لم تصدقوا بل سولت بمعنى أَن ما شاهدتم ولو صدقتم فيه غير خال عن تضمن ما ينقصه ، أَو الإِضراب عما يتضمنه من البراءَة عن التسبب فيما نزل بأخيهم كما أَفتوا باسترقاق السارق ، وليس من دين الملك وفى معنى ذلك تقدير المحذوف أَى ليس حقيقة كما أخبرتهم بل سولت ، أَو الإضراب عن جعلتم وجود الصواع فى رحله الإِفتاءِ وما فعلوا بيوسف ، أَو إِضراب عن جعلهم وجود الصواع فى رحله سرقة ﴿ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً ﴾ فعلتموه كيدا فى إِهلاكه أَو تغييبه ، وهبوا أنه سرق فمن أَدرى الملك أَن السارق يسترق شرعا ليعقوب والأَنبياء قبله ، وقد علمه من قولهم : ﴿ جزاؤه من وجد فى رحله ﴾ وإنما سعى فى أن لا يخبروه لأَنه يظن أَن الملك مشرك حاشاه ، والمشرك لا يملك موحدا كما أَن دماءَ المشركين والموحدين لا تتكافأُ ﴿ فصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ أَى فأَمرى صبر جميل ، أَو فصبر جميل أَحسن ، أَو فالواجب صبر جميل ، أَو فعلى صبر جميل ، من الصبر الجميل أَن لا تتحدث بمصيبتك ولاتزكى نفسك ، اتهمهم لا رأى منهم فى يوسف ولعلم الملك بالاسترقاق ، واستفيد أَن الظن ، ولو قويت أَماراته وكان من أَفاضل الناس لا يؤمن كذبه فهذا يعقوب صفى الله ظن وأَخطأَ فى هذا الظن لأنه لا كيد لهم فى إِمساك بنيامين ﴿ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ يكمل لى إِتيانهم جميعا فقد جاءَ واحد وهو كبيرهم ، رجع بعد ما قال :

﴿ لن أَبرح الأَرض ﴾ وبقى اثنان يقدر الله أَن يأْتيانى فيكون قد أَتونى جميعا ، أَو الهاءُ للاثنين بنيامين ويوسف ، أَو لهما وللكبير ، على أَنه لم يرجع إٍلى أَبيه حتى يقولوا له ائْتِ ، وعسى منه عليه السلام جزم لعلمه بحياة يوسف وبأَنه سيجتمعون من الوحى أَو ترجح على احتمال أَن لاجتماعهم شرطا اختل أَو املق إِلى الله وتضرع ، ولو جزم أَو خاف لعل اجتماعهم بعد موته ، وكذلك قال لغزؤائِيل : هل قبضت روح يوسف فقال : لا ، وقد يخشى قبضه بعد قوله لا . إِذا تناهت الشدى أَتى الفرج ، وأَيضاً قال يوسف : إِذا أَتيتم أًباكم فاقرأُوا له السلام وقولوا له إن ملك مصر يدعو أَلاَّ تموت حتى ترى ولدك يوسف فيعلم أَن فى مصر صديقا ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بحالى وحالهم وبكل شىءٍ ﴿ الْحَكِيمُ ﴾ فى تدبير الأَشياءِ وأَحوالها .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٧٩