وَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ یَٰۤأَسَفَىٰ عَلَىٰ یُوسُفَ وَٱبۡیَضَّتۡ عَیۡنَاهُ مِنَ ٱلۡحُزۡنِ فَهُوَ كَظِیمࣱ٨٤
الرسم الإملائيّ
وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاأَسَفَا عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
الجزء ١٣الربع ٩٨ صفحة ٢٤٥
تفسيرها
﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ وأعرض عنهم كراهة لما جاؤوا به ، ﴿وَقَالَ : يَا أَسَفَى﴾ يا حزنا ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ ، والأسف أشد الحزن ، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ﴾ إذ أكثر الاسعتبار ، محقت العبرة سواد العين ، وقلبته إلى بياض كدر ، قيل: قد عمي بصره ، وقيل: كان يدرك إدراكا ضعيفا ، ﴿مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي: كان الحزن سبب البكاء ، ويجوز للنبي أن يبلغ به الجزع ذلك المبلغ ، لأن الإنسان مجبول على أن لا يملك نفسه عند الحزن ، ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ مملوء من الغيظ على أولاده ، ولا يظهر (لعله) ما يسوءهم . مأخوذ من كظم السقاء إذا شده على ما ملئه ، وقيل: يردد حزنه في جوفه ، ولم يقل إلا خيرا.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٨٠
﴿ ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَاَ إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا ﴾ أي : من سرقته ﴿ وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ ﴾ أي : ما كنا نرى أنه يسرق .
قال : ﴿ وَاسْئَلِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا ﴾ أي : أهل القرية ﴿ وَالعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا ﴾ أي : أهل العير التي أقبلنا فيها ﴿ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ﴾ .
قالوا ذلك له فلم يصدقهم و ﴿ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ ﴾ أي : زيَّنت لكم أنفسكم ﴿ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ . قال مجاهد : الصبر الجميل : الذي ليس فيه جزع . كان مفزع يعقوب في يوسف وأخيه جميعاً إلى الصبر الجميل الذي لم يخالطه الجزع . وكل صبر فيه جزع فليس بجميل .
قوله : ﴿ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً ﴾ أي : يوسف وأخيه [ وروبيل ] ﴿ إِنَّهُ هُوَ العَلِيمُ ﴾ أي : العليم بخلقه ﴿ الحَكِيمُ ﴾ أي : في أمره .
﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ ﴾ أي : وأعرض عنهم ﴿ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ أي : يا حزنا على يوسف ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ ﴾ أي : عمي ﴿ مِنَ الحُزْنِ ﴾ على يوسف . وقد علم بما أعلمه الله بالوحي أن يوسف حي ، وأنه نبي ، ولكنه لا يعلم حيث هو ، فمكث يبكي . ﴿ فَهُوَ كَظِيمٌ ﴾ أي : قد كظم على تردد حزنه في جوفه .
وبلغنا أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء في السجن ، فقال له يوسف : أيها الملك الطاهر المطهَّر ، الكريم على الله ، ما أدخلك هذا المكان الرجس النجس مع القوم الظلمة . قال جبريل : إن المكان الذي تكون فيه ليس بنجس . فقال له يوسف : أيها الملك الكريم على الله ، أخبرني ما بلغ وجد يعقوب على يوسف؟ قال : وجد سبعين ثكلى . قال : فما بلغ منه؟ قال : ذهب بصره . قال فما بلغ أجره؟ قال : على قدر ذلك .
وذكر بعضهم أن ملك الموت دخل على يعقوب فقال له يعقوب : أيها الملك الكريم على ربه ، أسألك بعظمة إلاهك وجبروته هل قبضت روح يوسف فيما قبضت من الأرواح؟ فقال : لا والله ما قبضت روحه وإنه لحي كما أنك حي .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٨٠
﴿ وَتَوَلَّى ﴾ أَعرض ﴿ عَنْهُمْ ﴾ لأَنه لم ير منهم ما ما يسره فى شأْن يوسف وأَخيه أَو أَخويه ، وترك خطابهم إِذ لا يفيده ﴿ وَقَالَ ﴾ إذا بلغ جهده بيوسف ﴿ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ ﴾ يا حزنى الشديد احضر فهذا أَوانك هذا ظاهر اللفظ ، والمراد الكناية عن التحسر فإنه معلوم أَن غير الحيوان لا ينادى فنداؤه استعارة مكنية هيج حزنه على يوسف بحدوث موجب للحزن آخر كان يتسلى بعض تسل عنه ببنيامين ، إِذ كانا من أُم ولما غاب عنه زاد حزنه ، وكان حبه يوسف أَعظم من حبه بنيامين ، وهو القاعدة فى حزنه غض طرى ولو قدم ، وأَيضا هو واثق بحياة روبيل وبنيامين دون يوسف ، وهذا قبل أَن يقول له عزرائِيل : إِن يوسف حبى أَو بعده وخاف أَنه مات ، وأَلف أَسفى ضمير جر للمتكلم ، قلبت الياءُ ولو ساكنة أَلفا بعد فتحه لا يشترط تحركها للقلب لأَن ذلك شرط فى الياءِ التى هى حرف من الكلمة لا فى ياء المتكلم فلا تهم ، وقيل الأَلف للندبة وهاؤها مقدرة ، وذلك شكوى إِلى الله لا إِلى غيره ولا جزع كأَنه قال : يا أَرحم الراحمين اشتد حزنى . روى الطبرانى وابن مردويه والبيهقى عن سعيد بن جبير عنه صلى الله عليه وسلم : « لم تعط أُمة من الأُمم إِنا لله وإِنا إِليه راجعون عند المصيبة إِلا أُمة محمد صلى الله عليه وسلم » أَلا ترى إِلى قول يعقوب حين أَصابه ما أَصابه لم يسترجع وقال يا أَسفى ، وفيه مع لفظ يوسف تجنيس ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ ﴾ لكثرة بكائِه ، فالحزن سبب بعيد لبياض العين ، وكثرة البكاءِ سبب قريب فأُقيم سبب مقام السبب تنبيها على كمال السببية البعيدة كأَنه محق الدموع سواد عينيه لاستمراره ولا ضعف لبصره ، وهذا هو الراجح فيما قيل ولا يعارضه : فارتد بصيرا فإِن معناه زوال تلكَ الدموع التى صار بها كالأَعمى ، وقيل : زال نطره وعمى كما هو ظاهر قوله : ﴿ فارتد بصيرا ﴾ ولا مانع من حدوث العمى أو الجذام ، ونحو ذلك للأَنبياءِ بعد التبليغ بالحجج والمعجزات ، وقيل ضعف بصره تحقيقا ثم ارتد بصيرا كامل البصر ، ويروى فارق يوسف يعقوب ثمانين سنة ودموعه تجرى فيها حتى ذهب بصره وما على ظهر الأَرض يومئِذ أَكرم على الله تعالى منه ، ويروى أَن جبريل دخل على يوسف فى السجن فقال : هل لك علم بيعقوب وحاله؟ فقال : ابيضت عيناه من الحزن عليك ، حزن سبعين مشكلة وله فى ذلك أَجر مائَة شهيد ﴿ فهُوَ كظِيمٌ ﴾ مكظوم مملوءٌ من الهم كقربة مملوءَة شد على فيها لم يزله أَو بعضه بالشكوى إِلى الخلق أَو بالجزع ففى ذلك استعارة مكنية شبه بالقرية ورمز إِليها بلازمها وهو الكظم ولو يمنعه ذلك عن ذكر الله وعبادته ومناجاته وانشراح صدره ، أَو هو بمعنى كاظم أًى شاد على نفسه من أًن تجزع أو تشكو لغير الله - جل وعلا- فيجوز أَن يكون من كظم البعير جرته إِذا ردها إِلى بطنه فذلك استعارة مكنية أييضا ، والتأسف والحزن والبكاءُ غير حرام ما لم يكن جزع وصياح ونياحة ولطم الخد والصدر وشق الجيب ، وربما لم يدخل تحت التكليف ، ولما مات ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إِبراهيم بكى وقال :
« القلب يجزع والعين تدمع وأَنا لا أَقول ما يسخط الرب وأَنا عليك يا إِبراهيم لمحزون » ورفع إِليه ولد لبعض بناته يجود بنفسه ووضعه فى حجره ففاضت عيناه صلى الله عليه وسلم وقال له سعد : ما هذا يا رسول الله؟ فقال : هذه رحمة جعلها الله فيمن شاءَ من عباده ، وإِنما يرحم الله من عباده الرحماءِ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٦٨٠