مَّثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمۡۖ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّیحُ فِی یَوۡمٍ عَاصِفࣲۖ لَّا یَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَیۡءࣲۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِیدُ١٨
الرسم الإملائيّ
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ
الجزء ١٣الربع ١٠٣ صفحة ٢٥٧
تفسيرها
﴿مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ﴾ والمثل مستعار للصفة التي فيها غرابة ، ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ أعمال الكفرة ، المكارم التي كانت لهم من صلة الأرحام ، وعتق الرقاب ، وفداء الأسارى ، وعقر الإبل للأضياف ، وأداء الفرائض ، والتوسل بالوسائل وحسن (لعله) الأخلاق للناس ، شبهها في حبوطها لبنائها على غير أساس ، وهو استكمال الطاعة برماد طيرته الريح العاصف ، ﴿لاَّ يَقْدِرُونَ﴾ يوم القيامة ﴿مِمَّا كَسَبُواْ﴾ من أعمالهم ﴿عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لا يرون له أثرا من ثواب ، كما لا يقدر من الرماد المطير في الجو بالريح على شيء ، ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ﴾ إشارة إلى بعد ضلالهم عن طريق الثواب.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٦٨
قوله : ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ يعني شدة الريح ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ﴾ أي : مما عملوا من خير على شيء في الآخرة ، أي : قد جوزوا به في الدنيا ، مثل الرماد الذي اشتدت به الرياح في يوم عاصف فأطارته ، فلم يقدر منه على شيء ، فكذلك أعمال الكفار . قال : ﴿ ذَلِكَ هُوَ الضَّلاَلُ البَعِيدُ ﴾ أي : من الهدى .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٦٨
﴿ مَثًلُ الَّذِينَ كفَرُوا بِربِّهِمْ ﴾ أَي صفتهم ، استعير لها لفظ مثل الموضوع ، شبه مضربه بمورده لجامع الغرابة ، وخبره محذوف ، أَي فيما يتلى عليكم بيان مثل الذين كفروا كقول سيبويه : فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزانى ، وحكم السارق والسارقة ، وكأَنه قيل : كيف شبه مثلهم؟ فقال : ﴿ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشتّدَّتْ بِهِ الرِّيحُ في يَوْمٍ عَاصِفٍ ﴾ أَو أَعمالهم بدل اشتمال من مثل . ومثل مبتدأٌ خبره كرماد ، أَو خبره فيما يتلى عليكم ، وأَعمال بدله ، أَو مبتدأُ خبره أَعمالهم كرماد ، والرابط كونه نفس المبتدإِ في المعنى ، وقال الكسائِى : مثل زائدِ فكأَنه جعل أَعمالهم مبتدأ خبره كرماد ، والأَصل عدم الزيادة ، ولا سيما زيادة الاسم . ومعنى اشتدت به الرياح ، واليوم العاصف شديد الريح ، وإِسناد العصف إِلى الريح مجاز عقلى؛ لأَن العصف بمعنى الهبوب الشديد وأُسند إِلى زمانه ، أَو يقدر مضاف أَى عاصف ريحه ، والمراد أَعمالهم الحسنة كالصدقة وإِغاثة الملهوف والعتق وصلة الرحم ، فإِنهم لا يثابون عليها لشركهم فهي ذاهبة كذهاب الرماد بالريح الشديدة ، وأَعمالهم عبادة الأَصنام وما أَنفقوا لها أَو ذلك كله ﴿ لاَ يَقْدِرُونَ ﴾ يوم القيامة ﴿ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شىءٍ ﴾ سوى الحسرة والعذاب لا يستفيدون بها مثيباً ولا يدفعون بها عقاباً ، أَو تخفيفاً فيه . وهذا زيادة إِيضاح وفذلكة للتشبيه بالمراد الذي اشتدت به الرياح يذهب كله ، وإِن بقي بعضه ، فكما أُثيبوا في الدينا بعملهم سواء عملوا لله ، أَو للأَصنام ، إِلا أَن ما عملوا للأَصنام لا يثابون عليه في الدنيا ولا في الآخرة بل يعاقبون عليه ، ومما كسبوا حال من شيءٍ ولتوسعهم في الظروف قدم على صاحبه المجرور . وقدم مما كسبوا هنا ، لأَن المقام مقام لأَن يذكر أَن أَعمالهم كلها كرماد ، وأُخر في آية أُخرى مراعاة لبيان أَن شيئاً ما منها لا ينفعهم ، والله الموفق ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما ذكر من أَعمالهم أَو اعتقاد نفعها ﴿ هُوَ الضَّلاَلُ الْبَعِيدُ ﴾ ومعلوم أَنها ضلال فيجوز أَن يقدر ذلك الضلال هو الضلال البعيد ، إذ خلطوا وظنوا أَنهم على الطريق الموصلة ، فيبعد أَن يتركوه ، بل يدعون إِليه ، ويخطئُون من خالفهم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٦٨