یَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا یَكَادُ یُسِیغُهُۥ وَیَأۡتِیهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانࣲ وَمَا هُوَ بِمَیِّتࣲۖ وَمِن وَرَاۤئِهِۦ عَذَابٌ غَلِیظࣱ١٧
الرسم الإملائيّ
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ
الجزء ١٣الربع ١٠٣ صفحة ٢٥٧
تفسيرها
﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ يشربه جرعة جرعة لمرارته وحرارته ﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ ولا يقارب أن يسيغه ، فكيف تكون الإساغة؟! كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ أي: لم يقرب من رؤيتها ، فكيف يراها؟! ، ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾ أي: أسباب الموت من كل جهة ، أو من كل مكان من جسده ، حتى أصول شعره وإبهام رجليه ، وقيل: يأتيه الموت من قدامه وورائه ويمينه وشماله ، وهذا تفظيع لما يصيبه من الآلام ، أي: لو كان ثمة موت لكان منها مهلكا ، ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ فيستريح ، لأنه لو كان هنالك موت لكان نعمة لأهل النار ، لأنه أسرع انقضاء من العذاب المؤبد ، ﴿وَمِن وَرَآئِهِ﴾ ومن بين يديه ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ ، أي: في كل وقت يستقبله يتلقى عذابا أشد مما قبله وأغلظ ، وقيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الإجساد ، وقيل" العذاب الغليظ " : الخلود في النار.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٦٧
﴿ يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ أي : من كراهيته له؛ وهو يسيغه ، لا بد له منه ، فتتقطع أمعاؤه . ﴿ وَيَأْتِيهِ المَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ ﴾ وهي النار لشدة ما هم فيه ، ولكن الله عزّ وجلّ قضى عليهم ألا يموتوا . هذا تفسير الحسن . وبعضهم يقول : حيات وعقارب تنهشه من كل ناحية . ﴿ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ كقوله : ﴿ فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً ﴾ [ النبأ : 30 ] .
ذكروا أن رجلاً من أصحاب النبي عليه السلام قال : لما ذكر الله النار قلت : ابن آدم ضعيف ، فإنما تكفيه لذعة من النار حتى يقضي . ثم أنزل الله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ ﴾ و ﴿ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَى ﴾ [ سورة طَهَ : 74 ] فقلت : الآن حين أخذ الله نقمته من أعدائه .
ذكروا عن عبدالله بن مسعود قال : غلظ جلد الكافر سبعون ذراعاً ، وضرسه مثل أُحُد ، وفخذه مسيرة يومين ، وزاد فيه بعضهم عن ابن مسعود : وإني لأظنه يشغل من جهنم مثل ما بيني وبين المدينة . وبلغنا عن بعضهم قال : أهل النار يعظمون لها ولولا ذلك لألهبتهم كما تلهب الذبّان .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٦٧
﴿ يَتَجَرَّعُهُ ﴾ يعالج أَن يبلغه لحرصه على الشراب ، ولا ينفعه أَو يجبر على بلغه مرة بعد أُخرى ، أَو يطاوع التجريع أَو يتمهل فى الجرع شيئاً فشيئاً ، والجرع حال من ضمير يسقى ، أَو نعت الماءِ أَو حاله ، أَو نعت لصديد ، أَو مستأْنف للبيان كأَنه قيل : ما حاله مع مرارته وحرارته ونتنه وخبثه؟ فقال : يتجرعه . ﴿ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ ﴾ يجيزه فى حلقه بالبلع ، فهو يشربه بالقهر مع بعد ذلك فى الطبع يغصه فى حلقه ثم يصل بطنه ويذيب أمعاءَه ، كما قيل : يعرض عليه ولا يشربه ، وقد قيل : المعنى يكاد لا يسيغه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فى الآية : « يقرب إٍلى فيه فيكرهه ، فإِذا أُوتى منه شوى وجهه ، ووقعت جلدة رأَسه ، فإِذا شربه قطع أَمعاءَه حتى تخرج من دبره » ﴿ وسقوا ماءً حميماً فقطع أَمعاءَهم ﴾ ﴿ وإِن يستغيثوا ﴾ الاية ﴿ يصهر به ما فى بطونهم ﴾ فذلك دليل على وصوله أَو وصول بعضه جوفه بالإِساغة قهراً ، أَو يؤول لا يسيغه بلا يستطيبه كما قيل : لأَن انتفاءَ الاستطابة متعين ، وانتفاءَ قربها متعين ، أَو الإِساغة ، البلع مع استطابة ﴿ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ ﴾ أَسباب الموت من الغص فى حلقه وإِذابة أَمعائه فيطول عذابه بلا انقطاع ﴿ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ من كل نوع من أَنواع العذاب التى لو كانت فى الدنيا لمات ، أو تحيط به من جميع الجهات الست ، أو من كل مكان من جسده من كل شعرة ومن إِبهام رجليه إلى شعر رأسه ، والتعميم أَولى ، ومنه أَن يعلق نفسه من حلقومه فلا تخرج من فيه فيستريح ولا ترجع لموضعها فيهنأَ بها ﴿ ومَا هُوَ بِمَيِّتٍ ﴾ مع وجود أَسيباب الموت كلها فلا استراحة لهم ﴿ وِمنْ وَرَائِهِ ﴾ خلفه أَو قدامه أَو بعد حاله ، ويجوز رد الضمير للماءِ ﴿ عَذَابٌ غَلِيظٌ ﴾ من ضرب مقامع من نار والإِحراق بالنار والزمهرير والجوع ووجع الأَسنان ، وعذاب عبد عذاب بلا نهاية ، وازدياد العذاب أَبدا والخلود ، وقيل : حسب النفس فى الحلق ، وقيل : قوله : واستفتحوا إِلى هنا فى قريش طلبوا السقى فى سنى المجاعة كما مر فخابوا ، وعوضهم صديد النار وأَنواع عذابها .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٦٧