سورة إبراهيم · الآية ٢٢ من ٥٢

‹ السورة السابقة
وَقَالَ ٱلشَّیۡطَٰنُ لَمَّا قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِیَ عَلَیۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّاۤ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِیۖ فَلَا تَلُومُونِی وَلُومُوۤا۟ أَنفُسَكُمۖ مَّاۤ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَاۤ أَنتُم بِمُصۡرِخِیَّ إِنِّی كَفَرۡتُ بِمَاۤ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِینَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ٢٢
الرسم الإملائيّ

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ

الجزء ١٣الربع ١٠٣ صفحة ٢٥٨

تفسيرها

[سورة إبراهيم — آية 22]

﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ﴾ حكم بالجنة والنار لأهليهما ، وكان قوله على سياق قول الذين … الخطاب من الشيطان جواب لأهل النار إذا سألوه أن يغني عنهم من عذاب الله من شيء ، كما سأل الضعفاء الذين استكبروا ، ﴿إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ﴾ وهو البعث والجزاء على الأعمال فوفى بما وعد ، ﴿وَوَعَدتُّكُمْ﴾ بأن لا بعث ولا حساب ، ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ ، وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ﴾ من تسلط واقتدار ﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ﴾ لكني دعوتكم إلى الضلالة بوسوستي في تزييني ، ﴿فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ فأسرعتم إجابتي ، ﴿فَلاَ تَلُومُونِي﴾ ، لأن من تجرد للعداوة لا يلام إذا دعا إلى أمر قبيح ، مع أن الله قال لكم : ﴿ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ ﴾ ، ﴿وَلُومُواْ أَنفُسَكُم﴾ حيث اتبعتموني بلا حجة ولا برهان ، ولا جبر ولا سلطان ، ﴿مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ بمغيثكم ، ﴿وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾ بمغشي ، أي: لا ينجي بعضنا بعضا من عذاب الله ولا يغيثه ، والإصراخ: الإغاثه . ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ ، أي: كفرت اليوم بإشراككم إياي مع الله من قبل هذا اليوم ، أي: في الدنيا ، لقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ﴾ ، ومعنى كفره بإشراكهم إياه : تبرؤه منه ، واستنكاره له ، كقوله: ﴿ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ ، ومعنى إشراكهم الشيطان بالله: طاعتهم له فيما كان يزينه لهم من عبادة غير الله ، وهذا آخر قول الشيطان ، وقوله : ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ قول الله عزوجل ، وقيل: هو من تمام قول إبليس ، وإنما حكى الله عزوجل ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون لطفا للسامعين.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٧٢

[سورة إبراهيم — آية 22]

﴿ وَقالَ الشَّيْطَانُ ﴾ يعني إبليس ﴿ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ ﴾ أي : لما حكم وفصل بين العباد ، وقضي بينهم بالقسط ، فأبان الله أهل الجنة من أهل النار ، قام إبليس خطيباً بإذن الله ، وبئس الخطيب ، يريد الله بذلك توبيخ أهل النار ، فيسمع الخلق كلهم فقال : ﴿ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ ﴾ أي : وعدكم الجنة على التّمسك بدينه ، والحفظ لحدوده ﴿ وَوَعَدتُّكُمْ ﴾ أنا ﴿ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ ﴾ أستكرهكم به ﴿ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ ﴾ أي : بالوسوسة ﴿ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ أي : ما أنا بمغيثكم من عذاب الله ﴿ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ﴾ أي : بمغيثي من عذاب الله ﴿ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ﴾ أي : في الدنيا أي : عصيت الله قبلكم .

وقال بعضهم : ﴿ بِمَا أشْرَكْتُمُونِ ﴾ أي : مع الله في الطاعة لي في الشرك به .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم وفرغ من القضاء قال المؤمنون : قد قضى بيننا ربنا ، فمن يشفع لنا إلى ربنا . قالوا : فانطلِقوا إلى آدم عليه السلام ، فإنه أبونا ، وخلقه الله بيده وكلمه . فيأتونه ويكلمونه أن يشفع لهم ، فيقول آدم : عليكم بنوح . فيأتون نوحاً ، فيدلّهم على إبراهيم عليه السلام . ثم يأتون إبراهيم فيدلّهم على موسى عليه السلام ، ثم يأتون موسى فيدلّهم على عيسى ، صلى الله عليه ، ثم يأتون عيسى فيقول : أدلكم على النبي الأمّيّ محمد صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء والرسل ، فيأذن الله لي أن أقوم . فأثني عليه ، وأقوم فيفور من مجلسي أطيب ريح شمّها أحد ، حتى أقوم المقام المحمود الذي وعدني ربي أن أقومه ، وأسأل ربي الشفاعة للمؤمنين فيشفّعني ، ويجعل لي نوراً من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ، ثم يقول الكافرون عند هذا : قد وجد المؤمنون من يشفع لهم ، فقم أنت فاشفع لنا ، فإنك أنت أضللتنا . فيقوم فيفور من مجلسه أنتن ريح شمّها أحد ثم يعظهم بجهنم ، ويقول عند ذلك ﴿ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ . . . ﴾ » إلى آخر الآية .

قوله : ﴿ إِنَّ الظَّالِمِينَ ﴾ أي : المشركين والمنافقين ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ أي : موجع .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٧٢

[سورة إبراهيم — آية 22]

﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ ﴾ إِبليس لأَهل النار فيها ﴿ لَمَّا قُضِىَ الأَمْرُ ﴾ حوسب المكلفون من الثقلين وأُدخل أَهل الجنة الجنة ، وأَهل النار النار ، واجتمعوا عليه فيها ، وقد وضع له منبر من النار فيها ليخطبهم فعاتبوه على إِغوائِه إِياهم وسأَلوه أَن يشفع لهم بإِزالة عذابهم أَلبتة ، أَو يعذب مكانهم؛ لأَنه هو الذى أَضلهم ﴿ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ ﴾ بالبعث للجزاءِ بالثواب على العمل الصالح والتقوى ، ولم يخلفكم ، وحذف لعملهم به معاينة ، وبقوله : فأَخلفتكم ، والحق ضد الباطل ، لأَنه وعد أُنجز ومن شأْنه الإِنجاز ضد وعد الشيطان ، أَو الوعد الحق فأُضيف الموصوف للصفة ، أَو وعد الله فوضع الظاهر موضع المضمر ، أَوالوعد البعث والجزاء ﴿ وَوَعَدتُّكُمْ ﴾ وعد الباطل بتحليل المحرمات ، وتحريم المحللات ، وبأَنه لا بعث ولا ثواب ولا عقاب ، وإِن كان ذلك شفعت لكم الأَصنام ﴿ فأَخْلَفْتُكُمْ ﴾ وعدى ، تبين لكم إِخلافى بمشاهدة البعث وما بعده ، شبه ظهور الإِخلاف بالإِخلاف ، ووجه الشبه انتفاءُ ترتب الموعود به ، ولا استعارة فى وعدتكم لأَنه لا يشترط فى لفظ الوعد الصدق ، والداعى الإِخلاف بدل مسببه وهو ظهوره ﴿ ومَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مِّنْ سُلْطَانٍ ﴾ ما كان لى عليكم قوة أَقهركم بها على المعاصى والشرك ﴿ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ ﴾ إِليها بالكذب والتزيين ، والمصدر بدل من سلطان ، والاستثناءُ متصل ، على أَنه عد الوسوسة قاهرة ، وإِن لم يعدها إِذ لم تكن شنقا أَو خنقا أَو نحوه فهو منقطع ، وأَولى من ذلك أَن تعد الوسوسة سلطانا على طريق تأْكيد الشىءِ بضده فإٍنه لا يشترط المدح والذم ، وقد مر هذا فى قوله عز وجل : ﴿ كباسط كفيه إِلى الماءِ ﴾ وقد يكون مع ذلك تهكم من إِبليس عليهم ، ولو كان الحال لا يرتضيه ، ولكن لفرط غفلتهم تهكم عليهم بأَن الوسوسة قهر ، وذلك كله جائِز أَيضا إِذا فسرنا السلطان بالحدة والبينة ﴿ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى ﴾ بالغتم فى إِجابتى بالسرعة ، فإٍن الاستجابة أَبلغ من الإِجابة؛ لأَن على صيغة الطلب ، والإِسراع فى الشىءِ إِنما يكون لكونه ملطوبا ، والإِسراع من لوزام الطلب ، ولو كان طلب الإِنسان من نفسه ، والفاءُ للاتصال وهو مبالغة أَيضا - ﴿ فَلاَ تَلُومُونِى ﴾ على إِضلالكم لأَنها ما كانت إِلا بالكذب والتزيين ﴿ وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ على إِهمال عقولكم الصحيحة عن التدبر وعن النظر فيما جعل الله لكم من الدلائِل ، قيل : على وثوقكم بى مع تصريحى لكم بالعداوة ، وفيه أَنه لم يصرح لهم ، وإِن أُريد قوله - عز جل - : ﴿ لأَقعدن لهم ﴾ ﴿ ولأُزينن لهم ﴾ ﴿ ولأَغوينهم ﴾ الآيات لم يتم؛ لأَنهم لم يسمعوا حين قال ، ولم يؤمنوا بالقرآن الذاكر ذلك عنه والعياذ بالله منه ، نعم لم يؤمنوا بالقرآن فيتدبروها ﴿ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ ﴾ بمجيب صريخكم أَى صياحكم إلى مستغيثين ، وهو اسم فاعل أَصرخ بهمزة السلب ، أَى لا أُزيل صراخكم بالإِجابة والاستغاثة ﴿ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِىَّ ﴾ مثل ما ذكر ، والحاصل لا أُغيثكم ولا تغيثوننى ، وذلك إِقناط كل من معاونة أَهل النار بعضهم بعضا ، وهو جمع حذفت نونه للإِضافة فأُدغمت ياؤه فى ياءِ المتكلم ﴿ إِنِّى كَفَرْتُ ﴾ الآن ﴿ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾ بإِشراككم إِياى مع الله فى الدنيا بالعبادة لى بترك ما أَمر الله به وفعل ما نهى عنه وبعبادة الأَصنام للشيطان إِذ أَمر بها والله نهى عنها ، أَو شبه انقيادهم إلى عبادته إِذ أِمرهم بها بالإشراك فى العبادة ، فاستعار له لفظ الإشراك ، تركت ذلك كله الآن ، وقلت : لا إله إلا الله ، وما جاءَت به الرسل حق من الله ، وهنا انتهت خطبته فى جهنم على منبر فيها نارة ، وفى هذا النبر وخطبته لهم بما ذكر زيادة تغييظ وإِقناط ، والمشهور ما ذكر القرطبى أَنهم يقولون : اشفع لنا فإِنك خطبته فى قوله : ﴿ إِنَّ الظََالِمينَ ﴾ الكافرين ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمُ ﴾ اليوم فى النار ، وهو داخل فى الظالمين ، وعلى أَنه من كلام الله يكون المعنى : لهم عذاب أَليم إِذا جاءَ يوم القيامة ، وأَجاز بعض أَن تكون ما بمعنى الله نحو : سبحان ما سخركن لنا ، أَى كفرت قبلكم بالله الذى أشر كتمونيه إِذ لم أَسجد لآدم ، ويجوز جعلها مصدرية فى المثال على حذف مضاف أَى سبحن مسخركن لنا أَى ذى تسخيركن لنا ، وكأَنه قال : كيف تطمئنون إلى وأَنا أَول عاص ، ومعنى أشركتمونيه جعلتمونى شريكه ، ونكتة التعبير بذكر الإِشراك التلويح إِلى وصف ، أَى بالمعبود الذى لا معبود بحق سواه .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٧٢