إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَٱلۡإِحۡسَٰنِ وَإِیتَاۤئِ ذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَیَنۡهَىٰ عَنِ ٱلۡفَحۡشَاۤءِ وَٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡبَغۡیِۚ یَعِظُكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ٩٠
الرسم الإملائيّ
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
الجزء ١٤الربع ١١١ صفحة ٢٧٧
تفسيرها
﴿إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ وهو أن تسووا في الحقوق فيما بينكم ، وترك الظلم ، وإيصال كل ذي حق إلى حقه ، ﴿وَالإِحْسَانِ﴾ بأن تحسنوا إلى أنفسكم بفعل الواجبات والمندوبات ، (لعله) وترك جميع المحرمات والمحجورات ، واجتناب جميع السيئات ، ﴿وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى﴾ ما يستحق ويحسن ، ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء﴾ عن الذنوب المفرطة في القبح ، ﴿وَالْمُنكَرِ﴾ ما تنكره العقول ، ﴿وَالْبَغْيِ﴾ طلب التطاول بالظلم والكبر ، ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ تتعظون بمواعظ الله ، وهذه عظة جامعة لكل مأمور ومنهي.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩١
قوله : ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى ﴾ أي : حق القرابة . ذكروا عن الحسن قال : حق الرحم ألا تحرمها ولا تهجرها . قال بعضهم : إن لم يكن لك مال تعطيه فامشِ إليه برجلك .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « إن الرحم معلقة بالعرش ، وليس الواصل بالمكافىء ، ولكن الذي إذا انقطعت رحمه وصلها »
قوله : ﴿ وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ ﴾ أي : عن المعاصي ﴿ وَالمُنْكَرِ ﴾ أي : الكذب ﴿ وَالبَغْيِ ﴾ أي : أن يبغي بعضهم على بعض . وكل هذا من المعاصي . ﴿ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ ذكر مجاهد عن ابن عباس قال : لو أن جبلاً بغى على جبل لَدُكَّ الباغي منهما .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ما من ذنب أجدر أن يعجّل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم »
بلغنا أنه لما نزلت هذه الآية قال بعض المشركين : إن هذا الرجل ، يعنون محمداً ، ليأمر بمحاسن الأخلاق .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩١
﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ ﴾ بترك الميل عن الحق ، والميل الجَوْر ، يقول : مال بمعنى جار ، ودين الله وسط لا إِفراط ولا تفريط ، إما اعتقاداً كالتوحيد بين نفى الله وإثباته مع الشركة ، وكإثبات صفات الله ، وإنما هو بين نفيها وإثباتها مع اعتقاد أنها غيره يحتاج إليها حاشاه عن الحاجة ، وقد عاب على الأشعرية ابن العربى إذ قال لا فرق بين قول من يقول : إنها عيره ، وقول من قال إن الله فقير إلا تزيين اللفظ ، وكالقول بأَن فعل المخلوق كسب منه ، وخلق من الله المتوسط بين دعوى أنه مجبر علىعمله ، لا كسب له فيه ، وبين دعوى أنه خالق لا قدرة لله فيه .
وإما عملا كأداء الواجب المتوسط بين البطالة والانقطاع بالكلية إلى العمل وقد قال صلى الله عليه وسلم : « لا رهبانية فى الإسلام » وفى الهند قوم يتقربون إلى الله بترك اللذات كلها ، وإليه وإلى ملكهم بقتل أنفسهم بالنار أو بالإِلقاء من عال .
وإما خقا كالجود بين البخل والتبذير ، والشجاعة مع التحرز بين ==== ، ودخل فى العدد الحكم بين الخصمين بالحق ، بين الأولاد والأزواج .
﴿ وَالإِحْسَانِ ﴾ يفعل الطاعات والمبالغة فى تجويد الفرض ، وفى الحديث : « الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه » وقصر بعضهم الآية على الحديث ، وقيل : العدل التوحيد أو الإنصاف والإحسان أداء للفرائض ، وذلك إحسان الإنسان إلى نفسه وإلى غيره من الخلق ، ويجوز أن يكون الإحسان الإتيان بالأعمال حسنة صحية مجوَّدة .
قال عيسى بن مريم : الإحسان أن تحسن إلى من أساء إِليك ، وليس أن تحسن إِلى من أحسن إليك ، كأنه يشير إِلى أن الإحساس إِلى من أحسن إليك كالفرض ، وقيل : العدل أن ينصف من نفسه لغيره ، وينتصف لنفسه من غيره ، والإحسان أن يتصف ولا ينتصف ، وقيل : العدل فى الفعل والإحسان فى القول وهو قول بعيد عن العدل والإنصاف ، وعندى العدل أداء الواجب مطلقاً ، والإحسان الزيادة عليه .
﴿ وَإِيتَاءِ ذِى الْقُرْبَى ﴾ من جهة الأب أو الأم ما يحتاج إليه وجوبا إن اضطر إليه ، وندبًا إن لم يضطر إليه ، فهو داخل فيما مر من فرض أو نفل ، وخصه إيذانا بشرفه إذ فيه صدقة وصلة ، وفى الحديث : « أعجل الطاعة ثواب صلة الرحم »
﴿ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ ﴾ الزنى وهو أقبح أحوال الإنسان ، وقيل : ما ازداد قبحه من زنى أو غيره .
﴿ وَالْمُنْكَرِ ﴾ قيل ما ينكر على فاعله من إنهاض القوة الغضبية ، وكل فحشاء منكر ، وكل منكر فحشاء ، وامتاز بالإنهاض المذكور ، والواضح أن المنكر ما حرمه الشرع ، وقيل : ما وعد عليه النار ، والفحشاء : ما اشتد تحريمه فهو أعم منها ، وقيل : المنكر الشرك وهو مباين للبغى ، فتحصل فى الآية عطف الخاص على العام ، وعطف العام على الخاص ، وعطف مباين .
﴿ وَالْبَغْىِ ﴾ تطاول الإنسان بما ليس على غيره فى بدنه أو ماله أو عرضه ، خصه بالضكر لمزيد عظمه .
﴿ يَعِظُكُمْ ﴾ بالأمر والنهى المذكورين ، والجملة مستأنفة لتعم ، ولو جعلت حالا من فاعل بأمر أو من فاعل بنهى لكان قيدًا له فقط ، ولا وجه لكونه حالا من فاعلها لاختلاف عاملها ، ولا حاجة إِلى تقدير مثله لأحدهما .
﴿ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ تتعظون ، قال ابن الأثير فى المستدرك : هذه أجمع آية فى القرآن للخير والشر ، قال الحسن البصرى : أمرت بكل خير ، ونهت عن كل شر ، قال ابن عباس رضى الله عنهما : إنه قال عثمان بن مظعون رضى الله عنه : ما أسلمت أولا إلا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يتقرر الإيمان فى قلبى ، فحضرته ذات يوم ، فبينما هو يحدثنى إذ رأيت بصره شخص الى السماء ، ثم خفضه عن يمينه ، ثم عاد لمثل ذلك ، فسألته فقال : « بينا أحدثك إذ جبريل نزل عن يمينى فقال : إن الله يأمر بالعدل » إلخ فوقع الإيمان فى قلبى ، وقال : إن فى هذه الآية لحلاوة ، وإن فى القرآن لطلاوة ، وإن أعلاه لثمر ، وأسفله لغدق بغين معجمة ودال مهملة أى كثير الماء أسفله ، وما هو بكلام البشر ، بل هو كلام خالق القوى والقدر .
وكان بنو أمية يلعنون عليًّا فى المنابر ، ولم تولى عمر بن عبد العزيز قطع ذلك فى كل بلد ، وجعل مكانه : ﴿ إن الله يأمر بالعدل والإحسان ﴾ الآية ، فكان له على ذلك مدح عظيم ، وقبول وهو حق ، لأن اعتياد الشتم والإكثار منه ليس عبادة ، ولا سيما ما كان انتقامًا وجهالة وبغيًا على المتقدم بالخلافة ، وإنما أتمنى قطع ذلك ولو كن تورية ، إذ كان مؤذن المالكية يقول : شتما لأصحابنا بتعريض وتورية بهم ليلة كل جمعة ، من أبغض معاوية فأمه هاوية ، مع أن عليا ومعاوية متباغضان ، ويقول : من أبغض عليًّا فخصمه النبى ، وكل من معاوية وعثمان أبغضا عليًّا وأبغضهما على ، ويقول : من أبغض عثمان فأمه النيران ، وعلىّ يبغضه .
بلغ أكثم بن صيفى أمره صلى الله عليه وسلم فأرسل إليه رجلين فقالا له : مَن أنت وما جئت به ، قال صلى الله عليه وسلم : « أنا محمد بن عبد الله عبد الله ورسوله » ، وتلا : إن الله يأمر بالعدل إلخ قال : ردِّد علينا ، فردده حتى حفظناه ، فأخبرا به أكثم قال : إنى أراه يأمر بمكارم الأخلاق ، وينهى عن مذامها ، فكونا فى هذا الأمر رأسا لا أذناباً ، رواه أبو نعيم ، عن عبد الملك بن عمير ، وفعل الأمر ، ولام الأمر ، واسم فعل الأمر والمصدر النائب عنه الأصل فيهن الوجوب .
وأما لفظ أمر ، ويأمر ومر والأمر ، موضوع للقدر المشترك بين الوجوب والندب ، ولو لم يكن فى القرآن إِلا هذه الآية لصدق عليه أنه تبيان لكل شئ وهدى ورحمة للعالمين ، ولعل الله نبه على هذا بإيرادها عقب قوله :
﴿ ونزلنا عليك الكتاب ﴾ وبعد الإجمال فى الأمر والنهى فصّل بعضا فى قوله تبارك وتعالى :
﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ ﴾ بالعهد الذى عاهدتم الله .
﴿ إِذَا عَاهَدْتُمْ ﴾ شامل للطاعة والمباح فى الوعد والنذر بأى لفظ وشمل بيعة الإِمام اعتباراً بما بعد ، فإن الآية مكية ، وإنما البيعة بالمدينة ، ولا يلزم من وجوب الوفاء بالشئ إذا كان أن يكون جائز الوقوع فى الحال ، ألا ترى إلى قوله : إذا عاهدتم ، ودخل فيه بيعة الأنصار رضى الله عنهم الأولى والثانية والثالثة ، ودخل فيه كل ما قبلوه عنه صلى الله عليه وسلم وحلف الجاهلية .
قال صلى الله عليه وسلم : « كل حلف فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة » وكانوا يتحالفون على التناصر ، فيبقى فى الإسلام على الوجه الشرعى ، ونسخ الإرث به ، والآية نزلت في بيعته وهى على العموم ، وخصوص السبب لا ينقض عموم اللفظ .
﴿ وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ ليس التوكيد قيدا فلا تنقض ، ولو لم تؤكد ولكن نزلت الآية وهم يؤكدونها ، فكانت على ما هم عليه ، وتوكيدها يكون بتكرير أسماء الله أو صفاته مثل : والله العزيز ، وقدرة الله وعزته وأفعاله عندى ، أو أراد بتوكيدها أنها بالله أو صفته أو فعله ، وأنها فى طاعة أو مباح ، وأنها بقصد لا يغلط أو نسيان أو توهم ، أو لغو كقولهم : لا والله ، وبلى والله ، ولا شئ على من حلف على ما توهم فلا عليه وعلى معصية ، ويجب النقض فيها ، ويستحب فيما إذا رأى ما هو أفضل .
قال صلى الله عليه وسلم : « من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذى هو خير وليكفر عن يمينه » فالآية عامة خصصتها السنة ، وتجب المحافظة على الوفاء باليمين وإن نقضها وكفر فقد أساء ، لأن ذلك كالتهاون ، قال الله عز وجل : ﴿ واحفظوا أيمانكم ﴾ وعموم آية السورة حجة أيضاً ، والتوكيد والتأكيد والتأكيد بالواو بالهمز لغتان ، وقيل : الهمز بدل منها .
﴿ وَقَدْ جَعَلْتُمْ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاَ ﴾ صامتًا بالوفاء ، أو شاهدًا ورقيبا ، وذلك استعارة أو مجاز مرسل لعلاقة اللزوم ، وكذا الجعل ، ويجوز إبقاء كفيلا على ظاهره تمثيلا لعدم تخلصهم من عقوبته ، وأنه يسلمهم لها كما سلم الكفيل من كفله . والجملة حال من واو تنقضوا ، وقد يراد بالعهد ما ذكر قبله ، والأيمان وخصهما بالذكر بعد .
﴿ إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ من إيفاء ونقض وسائر أعمالكم ، أو من جعلكم الله عليكم كفيلا ، وذلك تهديد وتخصيص علىلوفاء وعدم النقض .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩١