سورة النحل · الآية ٩٨ من ١٢٨

‹ السورة السابقة
فَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ مِنَ ٱلشَّیۡطَٰنِ ٱلرَّجِیمِ٩٨
الرسم الإملائيّ

فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

الجزء ١٤الربع ١١١ صفحة ٢٧٨

تفسيرها

[سورة النحل — آية 98]

﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ (لعله) قيل: هذا في الصلاة ، أي: إذا قرأت القرآن وأنت في الصلاة فأنصت واستعذ بالله من الشيطان ومن وساوسه ، لأنه موضع المناجاة لله تعالى.(لعله) أمر الله بالاستعاذة منه باللسان ، وصيانة القلب(لعله) عن وساوسه ، (لعله) وحفظ الجوارح عن العيب ، (لعله) ويخرج معنى آخر: أي أنك إذا قرأت القرآن ، المعنى: إذا عملت بما فيه فاستعذ بالله ، لأنه في ذلك الحين تنفع الاستعاذة منه ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ، إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ﴾ استعاذوا من الشيطان بلسانهم أم لا ، فإن ذلك هذيان ، ودعاؤهم غير مستجاب ، لقوله: ﴿ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ والاستعاذة دعاء ، وفي الحقيقة من قرأه ولم يعمل بما فيه فكأنه لم يقرأه . ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ﴾ تسلط وولاية ﴿عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ على المقبلين على صلاتهم ، ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ فالمؤمن المتوكل لا يقبل منه وساوسه بالمتابعة ، وأما زوالها من قلبه فلا يقدر عليه ، ولا تضره ، وتنفعه ، إذ يصير مجاهدا بذلك.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٩

[سورة النحل — آية 98]

قوله : ﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِالله مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ . والرجيم الملعون ، رجمه الله باللعنة .

قال الحسن : نزلت في الصلاة ، ثم صارت سنة في غير الصلاة إذ أراد أن يقرأ ، وليس بمفروض .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٩

[سورة النحل — آية 98]

﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا ﴾ عمل صالحا من فرض أو نفل ، ودخل فيه ترك ما نهى عنه ﴿ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾ والخنثى ذكر عن الله أو أنثى أو اقتصر على الغالب وفى ذكر الذكر والأنثى ترغيب لها ، ودفع لتوهم أن لا ثوب لها ، كما روى أن النساء اشتكين أنهن لا يذكرن فى الخير ، فأوحى الله إليه صلى الله عليه وسلم أنهنَّ مشتركات مع الرجال فيما عملوا لإعانتهن بالقيام بالبيت ، ومصالح الرجل ، وذلك مثل قوله تعالى : ﴿ إن المسلمين والمسلمات ﴾ إلخ ومثل قوله : ﴿ من ذكر أو أنثى ﴾ . ﴿ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾ موحِّد غير مصر على ذنب ، إِذ لا ثواب للمشرك ولا للمصر ، لأن الإحباط مراعى كالإحباط بالمن والأذى ، وكقول عائشة : قل لفلان إنه أحبط عمله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيع ربا بتذرع كما ذكره الشيخ عامر فى الإيضاح ، واختلف فى المشرك ، هل ينقص عذابه فى النار بحسناته فى الدنيا؟ الصحيح لا ، ونسب للجمهور ، وكثرت أدلته فإن صح عنه صلى الله عليه وسلم أن أبا طالب فى ضحضاح من فر إلى كعبيه فقط ، والتخفيف عن أبى لهب فى كل يوم اثنين ، فمن خصوصياته صلى الله عليه وسلم ، وأعظم من هذا ما ذكروا أَنه يسقى أبو لهب فى مثل نقرة الإبهام ، وقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ يَعْمَل مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه ﴾ خاص بالسعداء ، وما بعده بالأشقياء ، وأما دفع السوء فى الدنيا بما عمل من خير فوقع لا يختلف فيه .

﴿ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾ فى الدنيا بالقناعة والرزق الحلال ، موسراً أو متوسطا أو معسراً ، وإراحة القلب عن الجزع ، والحرص ، وعدم القلق إذ صدق بأَن الله عز وجل ضمن رزقه ولو يومًا بيوم ، ورضى بقسم الله ، وانتظر أجر الآخرة ، وإذا جاءه سوء لم يشتد عليه ما اشتد على الكافر ، لأنه قد يتوقعه ، فلم يجئه من حيث يتوقع الخير ، بخلاف الكافر فإنه ما يتوقع السوء ، فإذا جاء جاءه من حيث يتوقع الخير ، فيزيد شدة فى قلبه ، والمشرك والفاسق فى تعب القلب ، أو مع البدن ، ولو فى إيسار خوف النقص .

وقيل : الحياة الطيبة لمدة الطاعة ، وقيل : فى القبر لأنه يستريح من أدى الدنيا ، فعنه صلى الله عليه وسلم : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار » وقيل : الحياة الطيبة الحياة بالحلال لأنه لا يترتب عليها عقاب بخلاف الحياة بالحرام ، كما جاء : « كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به » وفيه أن المقام ليس لهذا ، وقيل : فى الحنة لزوال الأذى فيها البتة ، والصحيح أن ذلك فى الدنيا ، أو فى البرزخ يأكل من ثمار الجنة عند باب الجنة ، وإن كان شهيداً فيها حتى تقوم الساعة ويموت كل شئ إلا الله ، فلا أكل وأما الآخرة ففى قوله :

﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ وإِن فسرت بالآخرة فقوله : ولنجزينَّهم فيها أيضًا بيان لكون مراتبها بقدر الأعمال ، وليس فيه عطف الشئ على نفسه ، ولا تكرير بين قوله : ﴿ من عمل صالحا ﴾ الخ وقوله : ﴿ ولنجزينَّ الذين صبروا ﴾ لأن الآخرة على العموم ، والأولى فى حق من عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن جعلنا الأولى على العموم أيضًا فهذه إشارة إِلى جلب المصالح ، أو الأولى على الصبر ، وهذه على ما هو أعم ، أو الأولى فى الدنيا ، وهذه فى الآخرة ، ولما ذكر الله عز وجل أنه يجازى على الصالحات ، وذكر ما يخلص به العمل من الفساد ، وهو الاستعاذة فقال حفظًا عنه ، ==== للوسوسة فى القراءة :

﴿ فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ﴾ أردت قراءة القرآن فالاستعاذة قبل القراءة أطلق للسبب ، وهو القراءة على السبب ، وهو الإرادة ، أو إذا شارفت قراءة القرآن فأطلق لفظ أحد لتجاورين على الآخر ، فى الآية على الوجهين مجاز مرسل تبعى . وقالت الظاهرية : بعدها للفظ الآية ، ولا يقدرون الإرادة ، وهو خطأ فاحش ، ونسب لأبى هريرة ، وابن سيرين ، ومالك ، والنخعى ، وحمزة الغاربى وداود الأصبهانى الذى تنسب إليه الظاهرية ، فعن نافع ، عن جبير بن مطعم أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يقول قبل القراءة : « أعوذ بالله من الشيطان الرجيم » والحديث يفسر القرآن وبالعكس ، وهو رواية عن ابن سيرين ، وزعم بعض أنه يستعوذ قبل القرآن وبعدها احتياطًا ، وهو مخالف للسنة ، ويستعاذ للقراءة فى الصلاة وغيرها وجوباً على الصحيح ، لأن الأمر للوجوب ، وقيل : استحبابًا ، ونسبه قومنا للجمهور .

ويستعاذ قبل القراءة فى الركعة الأولى فقط عندنا ، وعند الحنفية وقال الشافعى : أول كل ركعة ، لأن القراءة قد فصلت بالتكبير وما بعده ، ثم رجع آخر إلى أنها أول الركعة الأولى فقط ، وهو بعد تكبيرة الإحرام لا قبلها ، لأنها للقراءة ، وروى أنه صلى الله عليه وسلم إذا أتم التوجيه قال : « أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم » ، ولعله بذلك أخذ من يستعيذ قبل الإحرام ، ولا يحسن ذلك ، لأنه صلى الله عليه وسلم رجع إِلى أن لا يقال : أعوذ بالله السميع العليم إلخ ، بل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، وإِلى أنه بعد الإحرام ، وعن ابن سيرين : تجزى الاستعاذة فى العمر مرة واحدة فى الصلاة أو غيرها ، ويرده أنها معلقة بالقراءة كالغسل من كل جنابة ، إذ قال الله عز وجل : ﴿ وإن كنتم جُنُبًا فاطّهَّروا ﴾ وكأنه قيل كلما أردت القراءة فاستعذ .

وأجمع القراء وجمهور الفقهاء على أن الاستعاذة قبل القراءة ، وجاء الحديث على ذلك ، ومرّ حديث نافع وعن معقل بن يسار أنه قال صلى الله عليه وسلم :

« من قال حين يصبح ثلاث مرات أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم فقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر ، وكّل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يمسى » وفى الآية قراءة البسملة داخل السورة ، ومنعه أصحابه .

﴿ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴾ قال ابن مسعود رضى الله عنه قلت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، فقال : « قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريل عن القلم عن اللوح المحفوظ » والمتبادر أنه أراد القلم الذى أمره الله بالكتابة فكتب ، ولا يضرنا فى ذلك أنه متقدم فى الرتبة عن اللوح .

ومعنى رواية جبريل عن القلم أنه ثبت عن القلم ، وإلا فالقلم متقدم ساكت ، وقيل : المراد القلم الذى ينسخ به جبريل من اللوح ، والمراد بالشيطان إبليس ، لأنه الذى سن كل شر ، فالمراد الاستعاذة من شروره ، ولو جرت على يد غيره ، وقيل : إبليس وأعوانه ، ولو آدميين ، وأخذ من الآية أن الاستعاذة واجهة ، وأنها للقرآن ، وأنها توصل به ، وأنها بعد الإحرام للصلاة متصلة بالقرآن غير مفصولة بالتكبير ، ومن لم يطق الإعجام فهو معذور فى ترك الإعجام كما يعذر فى لفظ من الفاتحة أو غيرها لا يطيقه ، وما فى كتب الفقه من الأقوال معروف ، ويعتقد أن المعنى الاعتصام بالله تعالى .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٩