[سورة النحل — آية 42]
﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ هم الذين صبروا أَو أَعنى أَو أَمدح الذين صبروا أو نعت للذين والمراد الصبر على الشدائد من أَذى المشركين ومفارقة الوطن والعشيرة ومن يعاشرون على الطاعات وعلى المصائب وعن المعاصى ، ولكن المقام مقامً ذكر الصبر على شدائد المشركين فإذا أُريد العموم دخل أَذاهم بالأَولى ﴿ وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ لا على غيره ، ولا مع غيره ، فيرزقون من حيث لا يحتسبون ، ولا يضرهم مفارقة الوطن ، والمضارع لحكاية الحال الماضية الاستمرارية التى هى الانقطاع إِلى الله عز وجل وترك الأَمر كله إِليه ، قال كفار قريش : الله أَعظم من أَن يكون رسوله بشراً بل يكون ملكاً فأَنزل الله عز وجل :
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا ﴾ إلى الأُمم ﴿ مِنْ قَبْلِك إلاَ رِجَالاً ﴾ آدمين وما قيل من نبوة حواءَ ومريم وآسية وههاجر وبوخابد أَم موسى قول ردىءَ مخالف ﴿ نُوحِى إِلَيْهِمْ ﴾ ولو أنزلنا ملكاً على صورة بشر لقالوا إنه بشر ، وعلى صورته لم يطيقوا مشاهدته ، ولو قواهم على مشاهدتهم على صورهم لكان إيمانهم لو آمنوا غير نافع ، لأَنه كإيمان من وجه الله إليه العذاب أَو شاهد أَمر الآخرة ، ولكان كفرهم إن بقوا عليه موجباً لتعجيل العذاب ، كعقاب أصحاب المائدة وقوم صالح أَصحاب الناقة ، وقيل : وما أرسلنا إلى الأَنبياءِ إلا ملائكة على صور الرجال ، ويرده أَن المقام لذكر كون الرسالة إِلى الأُمم رجالا ، وأَن أَهل الذكر لا يجيبون بذلك وقد قال الله فى الجواب ﴿ فاسْأَلُوا ﴾ الخطاب لمشركى مكة إذ قالوا فى إنكار رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الله أَعظم أَن يكون رسوله بشراً فهلا بعثت إلينا ملكاً ، والتقدير إِن أَبيم إِلا إنكار رسالة محمد فاسأَلوا ﴿ أَهْل الذِّكْرِ ﴾ التوراة والإِنجيل والزبور ، ولا تقدر إن شككتم أَو إن أَنكرتم ، والمراد الذين لم يسلموا لأَن من أَسلم منهم كعبد الله بن سلام ، بل من أَسلم مطلقاً لا يأْخذون بقوله كسلمان ، وقيل : المراد من أسلم لأَن الذكر القرآن ، قلنا سمى الله التوراة أَيضا ذكراً فى مواضع منها : ﴿ ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر ﴾ وإِنما قال صلى الله عليه وسلم : « نحن أَهل الذكر فى تفسير غير هذه الآية » ، وقيل : أَهل الذكر من علم بأَخبار الأُمم السالفة ﴿ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تعْلَمُونَ ﴾ أَن الرسل بشر يخبروكم بأَن أَنبياءَهم بشر كموسى وعيسى وأَن الرسل من البشر كلهم ، وأَنتم تعرفون أَن لهم معرفة بكتب الله ورسوله وتصدقونهم قبل أَن تصدقوا المؤمنين لأَن بينكم مناسبة كفر بالنبى صلى الله عليه وسلم .