سورة الإسراء · الآية ٣٦ من ١١١

‹ السورة السابقة
وَلَا تَقۡفُ مَا لَیۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۚ إِنَّ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡبَصَرَ وَٱلۡفُؤَادَ كُلُّ أُو۟لَٰۤئِكَ كَانَ عَنۡهُ مَسۡءُولࣰا٣٦
الرسم الإملائيّ

وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا

الجزء ١٥الربع ١١٤ صفحة ٢٨٥

تفسيرها

[سورة الإسراء — آية 36]

﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ولا تتبع ما لا تعلم ، أي: لا تقل: رأيت وما رأيت. ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾ قيل: يسأل المرء عن سمعه وبصره وفؤاده ، وإذا سئل عن هذه سئل عن غيرها ، وقيل: يسأل السمع والبصر والفؤاد عما دخل المرء.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٦٥

[سورة الإسراء — آية 36]

قوله : ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾ أي : لا تقل رأيت ولم ترَ ، أو سمعت ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله .

قال الحسن : لا تقف أخاك المسلم من بعده إذا مرّ بك فتقول : إني رأيت هذا فعل كذا وكذا ، ورأيت هذا يفعل كذا وكذا ، وسمعته يقول كذا وكذا لما لم ترَ ولم تسمع . ﴿ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾ . أي : لا تقل رأيت وسمعت فإن الله سائلك عن ذلك كله . أي : يسأل السمع على حِدَة عما سمع ، ويسأل البصر على حِدة عما رأى ، ويسأل القلب عما عزم عليه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٦٥

[سورة الإسراء — آية 36]

﴿ وَلاَ تَقْفُ ﴾ يا من يصلح للخطاب ﴿ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ﴾ لا تتبع ما ليس لك علم به ، من فعل أو قول أو اعتقاد ، تعيماً وظنًّا أو بهتاً لا نشرك نوع إِشراك ما ، ولا تشهد بالزور ، ولا تقذف ، ولا تكذب ، وهكذا على العموم ولا تقل : رأيت ولم تَرَ ، أو سمعت ولم تسمع ، أو علمت ولم تعلم ، ولا ترم أحدا بما لم توقن أنه فيه ، ولا تحكم عليه بما ظننت ، ولا يتجسس ، لا نَبْنِ حكماً أو معاملة على شئ من ذلك ، فخرج الظن فإِنه جائز بلا عمل به ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « إذا ظننت فلا تحقق » ويظن الخير فى عامل الخير ، والشر فى عامل الشر إلا الزنى أو الإشراك ، فلا يجوز ظنهما فى عامل الشر ، إلا لمن رأى أمارتهما .

وأباحت الآية حكم المجهد بالقياس أو نحوه ، لأن ما أداه إليه اجتهاده علم ولو كان ظنيًّا ، لأن العلم فى الأمور الشرعيات ، ودخل فيها الحكم بين الناس وسائر التحليل والتحريم ، ليس بمعنى اليقين . ألا ترى أن المجتهد بخطئ ويصيب ، ولا يعاقب على خطئه . ألا ترى أنا نحكم بشهادة الأصغاء ، وشهادة من يدعى الإسلام ، ولم نر فيه كبيرة ، وبشهادة العامة بدون أن نراها فيهم ، وذلك كله ظن لا يقين . ألا ترى قوله تعالى : ﴿ فامتحنوهن ﴾ وكفى الاختبار ﴿ الله أعلم بإيمانهن ﴾ وإن الله رد الأمر إلى الظاهر حتى سمى من لم يأت بشهادة الزنى كاذباً ولو كان صادقاً عند الله ، ولو شهدوا بزور ، ولم نعلم بهم حكمنا بهم ، ومن ذلك حل ذبائح والنكاح ونحو ذلك ، مما يشترط فيه التوحيد ، مع أنا لا ندرى ما الباطن .

وكثر اجتهاد الصحابة وقياسهم ، وأمر صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضى الله عنه أن يعمل باجتهاده وقياسه فيما لم يحفظ فيه عنه شيئاً حين أرسله إلى اليمن . قال ابن عباس رضى الله عنه : لا تشهد إلا بما رأته عينك ، وسمعته أذنك ، ووعاه قلبك ، وليس فى ذلك شئ من اليقين ، قال صلى الله عليه وسلم : « من قَفَا مؤمنًا بما ليس فيه حبسه الله فى ردغة الخبال حتى يأتى بالمخرج » بفتح الدال وسكونها ، وبالغين المعجمة وهو عصارة أهل النار ، والمخرج : أن يرجع عما قال قبل موته ، وإن أراد الآخرة فالمعنى أنه لا مخرج له ، والمراد بما ليس فيه بحسب الظاهر ، ولو كان فيه عند الله .

﴿ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلٌّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً ﴾ كل من الثلاثة مسئول عن نفسه ، فالإشارة والهاء والمستتر فى كان ، ومسئولا للسمع والبصر والفؤاد ، يسأل الله هذه الأعضاء عما فعل بها صاحبها ، ولو كانت لا تجيب توبيخاً لصاحبها ، أو يخلق الله فيهن عقلا ونطقا وتجيب ، قال الله جل وعلا :

﴿ اليوم نختم على أفواههم ﴾ إلخ أو يقدر مضاف أى إن صاحب السمع إلخ ، وضمير كان لصاحب ، أو يقدر مضاف فى كان لا فى السمع ، أى كان صاحبه أى صاحب كل أولئك ، وها عنه لكل ، وضمير مسئولا لصاحب لم سمعت ما لا يحل سماعه ، ولم أبصرت ما لا يصح إبصاره ، ولم عزمت بفؤاد ، كما لا يحل العزم عليه ، ويكتب على هذه الأمة العزم على المعصية ، لأنها عملتها إن لم تعملها .

ويجوز عود ضمير كان للفقو المعلوم من قوله : ﴿ لا تقف ﴾ ويجوز أن يكون عنه نائب فاعل مسئولا ، وقدم ولو كان نائب الفاعل لا يقدم لشبهه بالفضلة على أن مدخول الباء فى أفعل به من باب التعجب هو الفاعل ، والفاعل لا يحذف ، والمسئول عنه فى هذا الوجه صاحب الجوارح ، ونقل أبو جعفر النحاس الإجماع على أنه لا يجوز تقديم نائب الفاعل ، ولو كان جاراً ومجروراً .

قال بعض : لا نسلم الإجماع ، وفى شرح ألفية ابن معطى جواز تقديم النائب إذا كان جاراً ومجروراً مستدلا بهذه الآية ، ومن خص هؤلاء بالعقلاء جعله فى الآية استعارة للأعضاء تشبيها لهم بهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٦٥