وَمَن كَانَ فِی هَٰذِهِۦۤ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِیلࣰا٧٢
الرسم الإملائيّ
وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا
الجزء ١٥الربع ١١٦ صفحة ٢٨٩
تفسيرها
﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين ، أو كتاب أو دين ، وقيل: بأعمالهم ، وقيل: بكتابهم الذي فيه أعمالهم بدليل سياق الآية ، وقيل: بإمام زمانهم ، (لعله) الذي دعاهم في الدنيا إلى ضلالة أو هدى . ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ، فَأُوْلَـئِكَ يَقْرَؤُونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً﴾ ولا ينقصون من ثوابهم أدنى شيء ، ولم يذكر الكفار وإيتاء كتبهم بشمالهم اكتفاء بقوله:
﴿وَمَن كَانَ فِي هَـذِهِ أَعْمَى﴾ عما يرى من قدرتي في مصنوعاتي ، وهو يتناول عمى البصيرة في الدنيا، ﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ﴾ من عمى الآخرة وهو غيب عنه ﴿كذا﴾ ، ﴿أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ من الأعمى ، أي: أضل طريقا ، وقيل: الإشارة في هذه راجعة إلى النعم التي عددها عزوجل في هذه الآيات من قوله: ﴿يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ....﴾ إلى قوله:﴿… تَفْضِيلاً﴾ ، يقول: من كان في هذه النعم قد عاينها أعمى ، فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٠١
قوله : ﴿ وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الأَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ قال بعضهم : من كان في هذه الدنيا أعمى ، أي : عما عاين فيها من نعم الله وخلقه وعجائبه فيعلم أن له معاداً وأشباه هذا مما جعله الله تبصرة للعباد فيعلمون أن البعث حق ، فهو فيما يغيب عنه من أمر الآخرة أعمى وأضل سبيلاً ، أي : وأضل طريقاً .
وقال الحسن : من كان في هذه الدنيا أعمى ، وهو الكافر عمي عن الهدى ، فهو في الآخرة أعمى في الحجة ، أي : ليست له حجة . كقوله : ﴿ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى ﴾ [ طه : 125 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٠١
﴿ وَمَنْ كَانَ فِى هذِهِ ﴾ أى فى هذه الدار الأولى ، وهى الدنيا ﴿ أَعْمَى ﴾ صفة مشبهة كأحمر وأبيض ، أى عمى القلب ، لا يبصر رشده .
﴿ فَهُوَ فِى الآخِرَةِ أَعْمَى ﴾ كأعمى البصر ، لا يجد اتفاء المضر ، فهو فى الآخرة هالك مضرور بالعذاب والنار ، كأعمى يمشى ولا يدرى أى مسلك هو فإنه يصادم الحائط ، ويقع فى الهوة ، وعلى الشوك ، وبين يدى سبع ، وعلى ما يكره ، وهذا كقوله تعالى : ﴿ وأما من أوتى كتابه بشماله ﴾ فهو مقابل لقوله تعالى قبل هذا : ﴿ فأما من أوتى كتابه بيمينه ﴾ إلخ أو المعنى لا يجد سبيلا لنجاة ، ولما أنزلت الآية قال ابن أم مكتوم - وهو أعمى - لرسول الله صلى الله عليه وسلم : === فى الآخرة أعمى ، فأنزل الله تعالى : ﴿ فإنها لا تعمى الأبصار ﴾ إلخ .
وقيل : الأعمى أعمى البصر فى الآخرة عقوبة لهم لقوله تعالى : ﴿ ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ إلخ ونحشرهم يوم القيامة إلخ ، وقيل : أعمى اسم تفضيل ولو كان من العيوب ، لأنه من عيوب الباطل فلا يمتنع صوغ اسم التفضيل فيه نحو أحمق وأبله ، ولذلك قيل لم يمله أبو عمر ويعقوب ، لأن ألفه فى الوسط بمن التفضيلية ، بخلاف ما إذا كان صفة مشبهة ، فليست من التفضيلية مقدرة بعده ، ولا تسلم ما قيل : إن الإمالة لا تحسن وسطاً ، بل حسنت وكثرت ، كما فى كتب النحو والتصريف ، وعلم القراءة ، وقد أمال أعمى فى موضعين حمزة والكسائى وأبو بكر ، وقرأ ورش بين بين ، ولو كانت المتطرفة أولى بالإمالة ، لأنها تقلب فى التثنية ياء ، وأيضا من التفضيلية كلمة أخرى ، فلا يعتبرها ما بعدها وسطاً .
﴿ وَأَضَلُّ ﴾ فيها ﴿ سَبِيلا ﴾ منه فى الدنيا ، لأنه فيها يمكنه الاهتداء بخلافه فى الآخرة ، وممن هو أعمى وأضل فى الآخرة منه فى الدنيا ، من لم يتب من ثقيف وقريش النازل فيهم قوله تعالى :
﴿ وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِى عَلَيْنَا غَيْرَهُ ﴾ مما لا يجوز كما طلبوه ، أما ثقيف فقالوا إذا وفدوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف ، لا ندخل فى دينك حتى تعطينا خصالا نفتخر بها على العرب ، لا نعطى زكاة الحبوب ، ولا تذهب بنا للقتال ، ونصلى بلا ركوع ولا سجود ، ونأخذ ما لنا من الربا على غيرنا ، ولا نعطى ما علينا من الربا ، وأن تخلينا واللات وسائر أصنامنا سنة ، وإِذا تمت لم نهدمها بأنفسنا ، وأن لا يقطع أحد من وادينا شجراً ولا نباتاً كالحرم ، وإن قالت العرب لِمَه؟ فقل : الله أمرنى بذلك .
وفى رواية من ذلك : شرطوا أن لا نصلى ، وفى أخرى إِذا تمت السنة مسرنا الأصنام بأيدينا ، وفى أخرى أن تمتعنا باللات سنة من غير أن نعبدها لنأخذ ما يهدى إليها ، ولما قالوا : لا نركع ولا نسجد ، أو لا نصلى ، قال :
« لا خير فى دين لا ركوع فيه ولا سجود وأما الأصنام فإنى غير ممتعكم بها ، وأما كسؤها بأيديكم الآن فلكم » وسكت من غير ذلك كأنه رجا أن يبيحه الله عز وجل ليسلموا .
وأما قريش فقيل : قالوا : لا نمكنك من استلام الحجر حتى تستلم آلهتنا ، وروى أنا لا نؤمن حتى تطرد هؤلاء الضعفاء والموالى ، الذين أسلموا ، وتجعل آية رحمة آية عذاب ، وآية عذاب آية رحمة ، وحتى تستلم آلهتنا فقيل : سكت فطمعوا ونزل لسكوته ﴿ وإن كادوا ليفتنونك ﴾ بمعنى أن ذلك كله حرام وافتراء ومناقض للوحى لا يبيحه الله ، واستلام الحجر قبل الفتح ، والسورة مكية إلا ثمانى آيات هذه أولاهن وأخراهن آية ﴿ سلطاناً نصيراً ﴾ فلا يتم منعه من استلام الحجر بعد الفتح وإن مخففة واللام فارقة ، والفتن صرفة عن الوغى .
﴿ وَإِذًَا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا ﴾ لو اتبعتهم إذًا لاتخذوك خليللا ، تصير بريئا من ولايتى ، فحذف لو وبقى جوابه ، وليس جوابًا للقسم كما قيل ، لأن إجابة القسم بماض متصرف مثبت مجرد من قد ، قيل : وقد عدوا قول امرئ القيس لعنه الله :
حلفت لها بالله حلفة فاجر … لناموا وما إن من حديث ولا مالى
من الشواذ أو الضرائر .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٠١