سورة الإسراء · الآية ٩٠ من ١١١

‹ السورة السابقة
وَقَالُوا۟ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ یَنۢبُوعًا٩٠
الرسم الإملائيّ

وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا

الجزء ١٥الربع ١١٦ صفحة ٢٩١

تفسيرها

[سورة الإسراء — آية 90]

ولما تبين إعجاز القرآن ، وانضمت إليه المعجزات الأخر ، ولزمتهم الحجة وغلبوا ، اقترحوا الآيات ، فعل المبهوت المحجوج المتحير ، ﴿وَقَالُواْ : لَن نُّؤْمِنَ لَكَ﴾ لن نصدقك ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا﴾ عينا غزيرة ، من شأنها أن تنبع الماء لا تنقطع ، نقول: من نبع الماء.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١١٩

[سورة الإسراء — آية 90]

قوله : ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ أي : ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل . ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ ﴾ أي : لن نصدقك ﴿ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً ﴾ أي : عيوناً ببلدنا هذا .

﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلاَلَهَا ﴾ أي : خلال تلك الجنة . ﴿ تَفْجِيراً أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً ﴾ أي : قطعاً . وقال في آية أخرى : ﴿ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِّنَ السَّمَاءِ ﴾ [ سبأ : 9 ] . وقال : ﴿ وَإِن يَرَوْا كِسْفاً ﴾ والكسف القطعة ﴿ مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ ﴾ [ الطور : 44 ] .

وقال الكلبي : في قوله : ﴿ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً ﴾ قال : بلغنا والله أعلم أن عبد الله بن أبي أمية المخزومي هو الذي قال ذلك حين اجتمع الرهط من قريش بفناء الكعبة ، فسألوا نبي الله أن يبعث لهم بعض موتاهم ، أو يسخر لهم الريح ، أو يسير لهم جبال مكة فلم يفعل شيئاً مما أرادوا ، فقال عبد الله بن أبي أمية عند ذلك : ما تستطيع يا محمد أن تفعل لقومك بعض ما سألوك ، فوالذي يحلف به عبد الله بن أبي أمية لا أؤمن لك ، أي لا أصدقك ، ﴿ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً ﴾ ، أي : عيوناً ﴿ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ ﴾ . . . إلى قوله ﴿ كِسَفاً ﴾ ، أي : قطعاً .

﴿ أَوْ تَأْتِيَ بِالله وَالمَلاَئِكَةِ قَبِيلاً ﴾ أي : عياناً ، نعاينهم معاينة . وقال مجاهد : ﴿ قَبِيلاً ﴾ أي : على حدتها ، أي : على قبيلة . وقال في آية أخرى : ﴿ أَوْ جَاءَ مَعَهُ المَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ ﴾ [ الزخرف : 53 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١١٩

[سورة الإسراء — آية 90]

﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا ﴾ أى كررنا ، والمفعول به محذوف ، أى صرفنا البينات والعِبَر ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ مطلقًا أو أهل مكة .

﴿ فِى هذَا القُرْآنِ ﴾ أو المفعول محذوف منعوت بقوله : ﴿ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ﴾ أى أنواعًا ثابتة من كل معنى شبيه بالغرابة والوقوع فى النفس للمثل ، والمراد المواعظ والوعد والوعيد ، والترغيب والترهيب ، والاستدلال على ما يحق اعتقاده ، وما يحق العمل به ، ويبطل الباطل ليتعظوا ويذعنوا .

﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ ﴾ مطلقًا أو أكثر أهل مكة ﴿ إِلاّ كُفُورًا ﴾ بالحق عناداً إذ لم يقدروا على الإتيان بمثله ، وفى أبى معنى النفى فساغ التفريغ كأنه قيل فما فعلوا إلا كفُوراً ، ويتقوى أن المراد أهل مكة بقوله :

﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ ﴾ نذعن بالإيمان ﴿ لَكَ ﴾ إلخ لأن قائلى ذلك أهل مكة والعطف على أبى إِلخ . وهذا مما أداهم إليه عجزهم عن الإتيان بمثله .

﴿ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرْضِ ﴾ أرض مكة ﴿ يَنْبُوعًا ﴾ عينًا ماؤها كثير لا يزول ، ولذلك كان اللافظ بوزن بفعول من النبع كيعيوب من عب الماء إِذا كثر وماج .

اجتمع نفر منهم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، والأسود ابن المطلب ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل ، وعبد الله بن أبى أمية ، وأمية بن خلف وغيرهم عند الكعبة ، عند غروب الشمس ، فأرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا محمد إن جئت بهذا الحدث أى القرآن تبتنى به مالا جمعنا لك ما تكون به أغنانا ، أو شرفًا سودناك علينا ، أو ملكاً ملَّكناك علينا ، أو غلب عليك بنى سمينا بأموالنا لنزيله بالطب .

فقال صلى الله عليه وسلم : « لا شئ من ذلك ، لكن بعثنى الله رسولا إليكم ، وأنزل علىَّ كتابًا ، وأمرنى أن أكون بشيراً ونذيراً ، فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم ، فإِن تقبلوا منى فهو حظكم من الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علىَّ أصبر لأمر الله عز وجل حتى يحكم الله بينى وبينكم » .

فقالوا : يا محمد إن كنت صادقاً فسل الله يُسيِّر عنَّا هذه الجبال المضيقة علينا ، ويبسط أرضنا ، ويفجر فيها أنهاراً كأنهار الشام والعراق تحرث ونغرس عليها ، ويبعث علينا من آبائنا من مضى ، وليكن منهم قصىّ فإنه كان شيخاً صدوقًا فنسألهم ، فإن صدَّقوك صدقنا ، وإلا فاسأل ربك أن يبعث ملكاً يصدقك ، وأن يجعل لك جنانًا وقصوراً وكنوزاً من ذهب أو فضة تعينك على معاشك .

« ما بعثت بهذا » .

وقالوا : إن كنت لا تستطيع الخير لك ولا لقومك فاستطع الشر ، وأسقط علين السماء كِسَفًا ، فإن ربَّك إن شاء فعل وأخْبر ربَّك بما قُلْنا لك وأخبرنا بما أجابك به ، ولن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلاً ، يشهدون لك .

وقال عبد الله بن أبى أمية ، وهو ابن عمته صلى الله عليه وسلم عاتكة : لا أومن لك حتى تتخذ سُلَّمًا إلى السماء ترقَى فيه ، ونحن ننظر فتأتى بكتاب ونفر أربعة من الملائكة يشهدون لك ، وايم الله لو فعلت لا أجزم بتصديقك .

فانصرف صلى الله عليه وسلم حزينًا لبُعدهم عن الهدى ، فلاه الله عز وجل فى هذه الشرط الستة بقوله : ﴿ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١١٩