سورة الكهف · الآية ٢١ من ١١٠

‹ السورة السابقة
وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَیۡهِمۡ لِیَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَیۡبَ فِیهَاۤ إِذۡ یَتَنَٰزَعُونَ بَیۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡۖ فَقَالُوا۟ ٱبۡنُوا۟ عَلَیۡهِم بُنۡیَٰنࣰاۖ رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِینَ غَلَبُوا۟ عَلَىٰۤ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَیۡهِم مَّسۡجِدࣰا٢١
الرسم الإملائيّ

وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا

الجزء ١٥الربع ١١٨ صفحة ٢٩٦

تفسيرها

[سورة الكهف — آية 21]

﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾(لعله) بإعادة الخلق للجزاء ، ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا، إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ (لعله) فيما يجوز فيه التنازع ، ﴿فَقَالُوا : ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا﴾ أي: على باب كهفهم ، لئلا يتطرق إليهم الناس ، ﴿رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ ردوا العلم إلى الله عند اختلافهم ، ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ : لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٦١

[سورة الكهف — آية 21]

قال : ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي : أطلعنا عليهم ، أي : على أصحاب الكهف ، أي : أطلعنا أهل ذلك الزمان الذي أحياهم الله فيه ، وليس بحياة النشور .

قال : ﴿ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ .

وكانت تلك الأمة الذين هربوا منهم قد بادت ، وخلفت من بعدهم أمة أخرى ، وكانوا على الإِسلام . ثم إنهم اختلفوا في البعث؛ فقال بعضهم : يُبعث الناس في أجسادهم ، وهؤلاء المؤمنون ، وكان الملك منهم ، وقال بعضهم : تبعث الأرواح بغير أجساد ، فكفروا . وهذا قول أهل الكتاب اليوم؛ فاختلفوا . فبعث الله أصحاب الكهف آية ليُعلِمهم أن الناس يُبعثون في أجسادهم ، وقال في آية أخرى : ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ [ النبأ : 38 ] أي : روح كل شيء في جسده ، وهو قوله : ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ ﴾ [ المطفّفين : 6 ] .

فلما بعث أصحابُ الكهف صاحبَهم بالدراهم ليشتري بها طعاماً ، وهم يرون أنها تلك الأمّة المشركة الذين فرّوا منهم ، أمروا صاحبهم أن يتلطّف ولا يشعرنّ بهم أحداً .

فلما دخل المدينة ، وهي مدينة بالروح يقال لها فسوس ، وكان ملكهم يقال له دقيانوس ، فأخرج الدراهم ليشتري بها الطعام اسْتُنْكِرَت الدراهم ، فأُخِذ وذُهِب به إلى ملك المدينة ، فإذا الدراهم دراهم الملك الذي فرّوا منه ، فقالوا : هذا رجل وجد كنزاً . فلما خاف على نفسه أن يعذّب أطلع على أصحابه . فقال لهم الملك : إن الله قد بيّن لكم ما اختلفتم فيه ، فأعلمكم أن الناس يبعثون في أجسادهم .

فركب الملك والناس معه حتى انتهوا إلى الكهف . وتقدمهم الرجل . حتى إذا دخل على أصحابه فرآهم ورأوه ماتوا ، لأنهم قد كانت أتت عليهم آجالهم .

فقال القوم كيف نصنع بهؤلاء ف ﴿ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ﴾ وهم رؤساؤهم وأشرافهم ، وقال بعضهم : مؤمنوهم ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً ﴾ .

ذكر عكرمة أنهم كانوا بني الأكفاء والرقباء ملوك الروم ، رزقهم الله الإِسلام ففروا بدينهم ، واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على أصمختهم فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم ، وجاءت أمة مسلمة . وكان ملكهم مسلماً . فاختلفوا في الروح والجسد . فقال قائلون : يبعث الروح والجسد معاً . وقال قائلون : تبعث الأرواح ، أما الأجساد فتأكلها الأرض فلا تكون شيئاً .

فشق على ملكهم اختلافُهم؛ فانطلق فلبس المسوح ، وقعد على الرماد . ثم دعا الله فقال : إنك ترى اختلاف هؤلاء ، فابعث لهم آية تبيّن لهم بها . فبعث الله لهم أصحاب الكهف . فبعثوا أحدهم ليشتري لهم من الطعام . فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ، ورأى الإِيمان في المدينة ظاهراً . فانطلق . وهو مستخف ، حتى انتهى إلى رجل ليشتري من طعامه . فلما أبصر صاحب الطعام الورِق أنكرها . قال له الفتى أليس ملككم فلاناً؟ قال الرجل : بل ملكنا فلان . فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك .

فأخبره صاحب الكهف بحديثه وأمره . فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال : إنكم اختلفتم في الروح والجسد ، وإن الله قد بعث لكم آية وبيّن لكم الذي اختلفتم فيه؛ فهذا رجل من قوم فلان ، يعني ملكهم الذي مضى . فقال صاحب الكهف : انطلقوا إلى أصحابي . فركب الملك وركب الناس حتى انتهوا إلى الكهف . فقال الرجل : دعوني حتى أدخل إلى أصحابي . فلما أبصرهم وأبصروه ضرب الله على أصمختهم . [ فلما استبطأوه ] دخل الملك ودخل الناس معه ، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئاً ، غير أنه لا أرواح فيها . فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم . ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم ﴾ ، وهو ملوكهم وأشرافهم ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٦١

[سورة الكهف — آية 21]

﴿ وَكَذَلِكَ ﴾ كما أيقظناهم ، أو أحييناهم ، أو كما أنمناهم وأيقظناهم ﴿ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أوقفنا الناس أو أهل مدينتهم عليهم وعلى حالهم ، ليزداد بصيرة ، من قال يبعث الأجساد والأرواح معا وليؤمن بالبعث من أنكره أو شك فيه ، وأصل العثور السقوط مطلقا ، وقيل : للوجه ، واستعمل فى الاطلاع على الشئ مجازاً ، وذكر بعض أنه حقيقة ، وعلى الأول العلاقة السببية ، لأن الساقط ينظر بأى سبب سقط .

﴿ لِيَعْلَمُوا ﴾ أى ليعلم من أعثرنا عليهم ﴿ أَنَّ وَعْدَ اللهِ ﴾ يبعث الأرواح والأجساد معا أو موعود الله ، وهو البعث ، وقيل : المراد كل وعد ، وكل موعود فيدخل البعث بالأولى وأكد ذلك بذكر الساعة بعد تخصيصا بعد تعميم ﴿ حَقٌّ ﴾ فكما قدر على إِبقائهم مدة طويلة لا تعتاد بلا أكل ولا شرب نائمين أو موتى ، وبعثهم بعدها يقدر على إحياء غيرهم من الموتى .

﴿ وَأَنَّ السَّاعَةَ ﴾ يوم القيامة ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهَا ﴾ لأن ثلاثمائة سنة وتسعا لا فرق بينها وبين ما هو أكثر ﴿ إِذْ ﴾ مفعول لمحذوف ، أى اذكر أو ظرف متعلق بقول محذوف ، أى اذكر قولهم إذ إلخ لا ظرف لأعثرنا ، لأن التنازع بعد الإعثار لا فى حاله إلا تجوزاً للجواز ، أو توسعا فى الوقت ، بأن بعد وقت الإعثار ، ووقت التنازع واحداً ، وقع الإعثار ، فى بعضه ، والتنازع فى بعضه .

﴿ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ الضمائر لأهل مدينة أصحاب الكهف ، أو الناس المعثرين ، وأمرهم مفعول ليتنازع ، كأنه قيل يقتسمون أمرهم ويتجاذبونه ، فبعضهم يقول : تبعث الأرواح ، وتبقى الأجساد معدومة ، وبعضهم يقول : تبعث الأرواح ، والأجساد ، أو الضميران الأولان لأهل المدينة وهاء أمرهم لأصحاب الكهف بعضهم يقول : نبنى عليهم بنيان بيعة ، لأنهم على ديننا فنعمل صليبا وناقوسا فيها .

وقال المسلمون نبنى عليهم مسجداً يصلى فيه الناس بلا كفر ، لأنهم على ديننا ، وقال المشركون نبنى عليهم بنيانا على معتادنا ، وقيل : أَمرهم مدة لبثهم وقيل عددهم ، وقيل هو كونهم بعد ذلك الاطلاع عليهم ماتوا أو ناموا كأول مرة .

﴿ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ ﴾ حولهم ﴿ بُنْيَانًا ﴾ يسترهم ، قال ذلك غير المسلمين ، والبنيان مسجد كفر أو مدينة يسكنها الناس والعطف على يتنازعون ، وقيل على محذوف أى تحققوا الآية من الله فقالوا : ﴿ رَبُّهُمْ أَعْلمُ بِهِمْ ﴾ بأبدانهم ونسبهم ، ومدة لبثهم وأحوالهم . هذا من كلام المتنازعين ، و قيل من كلام الله سبحانه وتعالى ردًّا على الخائضين فيهم من المتنازعين ، أو ممن كان على عهده صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب .

﴿ وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أمْرِهِمْ ﴾ أمر الفتية بالقوة والتمكن ، ونفاذ الكلمة ، وهم المسلمون ، وقيل أهل أصحاب الكهف ، وقيل أكابر البلد ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا ﴾ إِسلاميا يصلى فيه فبنوه وسدوا به باب الكهف كما مر ، مرت أعوام بعد دقيانوس ، وملك المدينة مؤمن ، وفى المدينة قوم ينكرون بعث الأجساد إلا الأرواح ، فلبس المسوح ، وقعد على الرماد ، وتضرع إلى الله ، فأعثرهم الله على أصحاب الكهف ، فآمن كثير ببعث الأجساد .

فقيل علم الناس طوال المدة بطول الشعور والأظفار طولا غير معتاد ، وبقراءة ما فى اللوح أو اللوحين المذكورين ، ولأنهم ذهبوا بدراهم فيها اسم دقيانوس فأنكروها ، وذهبوا به إِلى الملك وهو مؤمن اسمه بندوسيس ، فتبيَّن أمرهم وزمانهم بإِخباره ، وقال : أردت شراء التَّمر لأصحابى المختفين من دقيانوس .

وقيل : قال : بعث كرمة لى أمس فعلم أنه لم يجد كنزاً كما اتهمه الناس به ، فأظهر الله أمرهم ، فشكر الله لما رأى شخصه ودرهمه استنكرها ، فقال : لعله من الفتية الهاربين من دقيانوس ، فقد كنت أسأَل الله أن يرينيهم ، وسأله فأَخبره فقال لقومه سيروا معه إلى الكهف ، لعل الله يرينا آية ، ولما وصلوا قال تمليخا : أنا أدخل أولا لئلا يرهبوا ، فأخبرهم أن الأمة مسلمون ، فقيل : خرجوا إلى الملك وعظموه وعظمهم فرجعوا إلى الكهف .

وأكثر القول أنهم ماتوا حين كلمهم تمليخا ، ودفنهم الملك ، وروى أنه جعلهم فى توابيت من ذهب ، فأَتوه فى النوم فقالوا : خلقنا من تراب ، فجعلهم فى توابيت من ساج ، وروى أنه دخل تمليخا ولم يرجع إليهم ، ومات هو وأصحابه ، ولم يخرجوا ولم يكلِّمهم الملك ، وروى أن بعض القوم طمس الغار عليهم لئلا يراهم أحد ، وروى أنهم بنوا مسجداً عنده ليعلم الغار ، ولا ينسى .

وقيل : لما دخل تمليخا عمى فم الغار ، فبنوا هناك مسجداً ، وليس فى ذكر بناء المسجد عليهم ما يبيح بناءه على القبر ، لأن كهفهم ليس قبراً ، ولأن جدار المسجد سدّ لباب الكهف وليس المسجد على الكهف ، ولأن الكهف ليس قبراً ، وليسوا موتى ، ولأنه تعالى لم يذكره بالجواز .

ولصحة الحديث فى النهى عن البناء على القبر ، ففى مسلم بسنده عن أبى الهياج الأسدى قال لى على : أبعثك على ما بعثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ، ولا قبراً مشرفاً إِلا سويته ، وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم : « لعن الله الذين يتخذون المساجد على القبور » .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٦١