سورة الكهف
الجزء الكهف · صفحة ٠قال : ﴿ وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ ﴾ أي : أطلعنا عليهم ، أي : على أصحاب الكهف ، أي : أطلعنا أهل ذلك الزمان الذي أحياهم الله فيه ، وليس بحياة النشور .
قال : ﴿ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لاَ رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ ﴾ .
وكانت تلك الأمة الذين هربوا منهم قد بادت ، وخلفت من بعدهم أمة أخرى ، وكانوا على الإِسلام . ثم إنهم اختلفوا في البعث؛ فقال بعضهم : يُبعث الناس في أجسادهم ، وهؤلاء المؤمنون ، وكان الملك منهم ، وقال بعضهم : تبعث الأرواح بغير أجساد ، فكفروا . وهذا قول أهل الكتاب اليوم؛ فاختلفوا . فبعث الله أصحاب الكهف آية ليُعلِمهم أن الناس يُبعثون في أجسادهم ، وقال في آية أخرى : ﴿ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ ﴾ [ النبأ : 38 ] أي : روح كل شيء في جسده ، وهو قوله : ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ ﴾ [ المطفّفين : 6 ] .
فلما بعث أصحابُ الكهف صاحبَهم بالدراهم ليشتري بها طعاماً ، وهم يرون أنها تلك الأمّة المشركة الذين فرّوا منهم ، أمروا صاحبهم أن يتلطّف ولا يشعرنّ بهم أحداً .
فلما دخل المدينة ، وهي مدينة بالروح يقال لها فسوس ، وكان ملكهم يقال له دقيانوس ، فأخرج الدراهم ليشتري بها الطعام اسْتُنْكِرَت الدراهم ، فأُخِذ وذُهِب به إلى ملك المدينة ، فإذا الدراهم دراهم الملك الذي فرّوا منه ، فقالوا : هذا رجل وجد كنزاً . فلما خاف على نفسه أن يعذّب أطلع على أصحابه . فقال لهم الملك : إن الله قد بيّن لكم ما اختلفتم فيه ، فأعلمكم أن الناس يبعثون في أجسادهم .
فركب الملك والناس معه حتى انتهوا إلى الكهف . وتقدمهم الرجل . حتى إذا دخل على أصحابه فرآهم ورأوه ماتوا ، لأنهم قد كانت أتت عليهم آجالهم .
فقال القوم كيف نصنع بهؤلاء ف ﴿ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ ﴾ وهم رؤساؤهم وأشرافهم ، وقال بعضهم : مؤمنوهم ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً ﴾ .
ذكر عكرمة أنهم كانوا بني الأكفاء والرقباء ملوك الروم ، رزقهم الله الإِسلام ففروا بدينهم ، واعتزلوا قومهم حتى انتهوا إلى الكهف فضرب الله على أصمختهم فلبثوا دهراً طويلاً حتى هلكت أمتهم ، وجاءت أمة مسلمة . وكان ملكهم مسلماً . فاختلفوا في الروح والجسد . فقال قائلون : يبعث الروح والجسد معاً . وقال قائلون : تبعث الأرواح ، أما الأجساد فتأكلها الأرض فلا تكون شيئاً .
فشق على ملكهم اختلافُهم؛ فانطلق فلبس المسوح ، وقعد على الرماد . ثم دعا الله فقال : إنك ترى اختلاف هؤلاء ، فابعث لهم آية تبيّن لهم بها . فبعث الله لهم أصحاب الكهف . فبعثوا أحدهم ليشتري لهم من الطعام . فجعل ينكر الوجوه ويعرف الطرق ، ورأى الإِيمان في المدينة ظاهراً . فانطلق . وهو مستخف ، حتى انتهى إلى رجل ليشتري من طعامه . فلما أبصر صاحب الطعام الورِق أنكرها . قال له الفتى أليس ملككم فلاناً؟ قال الرجل : بل ملكنا فلان . فلم يزل ذلك بينهما حتى رفعه إلى الملك .
فأخبره صاحب الكهف بحديثه وأمره . فبعث الملك في الناس فجمعهم فقال : إنكم اختلفتم في الروح والجسد ، وإن الله قد بعث لكم آية وبيّن لكم الذي اختلفتم فيه؛ فهذا رجل من قوم فلان ، يعني ملكهم الذي مضى . فقال صاحب الكهف : انطلقوا إلى أصحابي . فركب الملك وركب الناس حتى انتهوا إلى الكهف . فقال الرجل : دعوني حتى أدخل إلى أصحابي . فلما أبصرهم وأبصروه ضرب الله على أصمختهم . [ فلما استبطأوه ] دخل الملك ودخل الناس معه ، فإذا أجساد لا ينكرون منها شيئاً ، غير أنه لا أرواح فيها . فقال الملك : هذه آية بعثها الله لكم . ﴿ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِم ﴾ ، وهو ملوكهم وأشرافهم ﴿ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً ﴾ .