سورة الكهف · الآية ٦١ من ١١٠

‹ السورة السابقة
فَلَمَّا بَلَغَا مَجۡمَعَ بَیۡنِهِمَا نَسِیَا حُوتَهُمَا فَٱتَّخَذَ سَبِیلَهُۥ فِی ٱلۡبَحۡرِ سَرَبࣰا٦١
الرسم الإملائيّ

فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا

الجزء ١٥الربع ١٢٠ صفحة ٣٠٠

تفسيرها

[سورة الكهف — آية 61]

﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اتخذ طريقا له من البر إلى البحر﴿سَرَبًا﴾ أي: سرب فيه سربا ، يعنى: دخل فيه واستتر به.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٠١

[سورة الكهف — آية 61]

قوله : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ ﴾ وهو يوشع بن نون ، وهو اليسع ﴿ لاَ أَبْرَحُ ﴾ أي : لا أزال أمضي قدماً ﴿ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَيْنِ ﴾ بحر فارس والروم حيث التقيا ، وهما محيطان بالخلق .

وبعضهم يقول : الرسّ والكرّ ، وهما بالرومية . والعامة على أنهما بحر فارس والروم . وبحر الروم نحو المغرب ، وبحر فارس نحو المشرق .

﴿ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً ﴾ أي : سبعين سنة في تفسير مجاهد . وبعضهم يقول : الحقب ثمانون سنة .

وذلك أن موسى عليه السلام قام في بني إسرائيل مقاماً فقال : ما بقي اليوم أحد أعطاه الله مثل ما أعطاكم : أنجاكم من آل فرعون ، وقطع بكم البحر ، وأنزل عليكم التوراة . ورأى في نفسه حين فعل الله ذلك به وعلمه أنه لم يبقَ أحد أعلم منه . فَأوحى الله إليه : إن لي عبداً أعلم منك يقال له الخضر ، فاطلبه . فقال له موسى : رب كيف لي بلقائه . فأوحى الله إليه أن يجعل حوتاً في متاعه ، ويمضي حتى يبلغ مجمع البحرين ، بحر فارس والروم . وجعل العلم على لقائه أن يفتقد الحوت ، فإذا فقدت الحوت فاطلب صاحبك عند ذلك .

فانطلق هو وفتاه ، وهو يوشع بن نون . وحملا معهما مكتلاً فيه حوت مملوح . قال : فسايرا البحر زماناً ، ثم أويا إلى صخرة على ساحل البحر الذي عند مجمع البحرين؛ عندها عن ماء ، فباتا بها . وأكلا نصف الحوت ، وبقي نصفه . فانسرب الحوت في العين . وقال بعضهم : أدنى فتاه المكتل من العين فأصابه الماء فعاش الحوت فدخل في البحر . [ وذلك قوله : ﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَباً ﴾ ] .

وارتحل موسى وفتاه فسايرا البحر حتى أصبحا . ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ ءَاتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً ﴾ أي : شدة ، يعني نصب السفر .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٠١

[سورة الكهف — آية 61]

﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ ﴾ موضع الجمع ﴿ بَيْنِهِمَا ﴾ بين البحرين ، وأصل المجمع أن يضاف إِلى البحرين لا إِلى بين ، لكن أضيف إلى بين توسعًا أو نقول : بين بمعنى الوصل ، وكنت أقول الهاء عائدة إلى موسى والخضر ، ثم تذكرت أنه لم يجر للخضر ذكر ، أو عائدة إلى موسى وفتاه ، أى موضع اجتماعهما مع غيرهما وهو الخضر ، ولم يذكر غيرهما ، وذلك على الوجوه كلها هو الموضع الذى قضى الله أن يجتمعا فيه مع الخضر عليهم السلام ، سكن فيه الخضر ، أو فى قريب منه .

﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ نسى موسى أن يطلبه من فتاه أن يحضره له ، ونسى أن يأكل منه ويتعرَّف حاله ، ونسى يوشع أن يذكر له حياته ووقوعه فى البحر ، وارتحلا على ذلك النسيان .

وحاصل ذلك أنهما نسيا شأن الحوت ، كل واحد نسى ما من شأَنه أن يذكره ، وجه قريب أن موسى عليه السلام أخبر فتاه بما قال له الله جل وعلا فى الحوت ، ونسى يوشع أن يخبره .

وقد قيل إنه قال : لا أذكر له حتى يستيقظ ، وما استيقظ إلا وقد نسى ، وذلك كله أولى من أن يقال النسيان لموسى ، وجمع الله معه فتاه حكماً على المجموع ، وأولى من تقدير مضاف ، أى نسى أحدهما وهو موسى .

﴿ فَاتَّخَذَ ﴾ أى الحوت ﴿ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ ﴾ متعلق باتخذ ، أو حال من سبيل ، أو من قوله ﴿ سَرَبًا ﴾ مسلكاً صار الماء له جحراً وسقفاً ، كما فعل الله لموسى عليه السلام فى البحر حين اتبعه فرعون ، إلا أنه يسقف على موسى ، بل بدأ طريقه للسماء ، كما أنه سئل على أى موضع طلعت عليه الشمس مرة واحدة ، فأجاب بطرق موسى وبنى إسرائيل فى بحر القلزم .

روى الطبرى وابن أبى حاتم ، من طريق العوفى عن ابن عباس رضى الله عنهما : جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إِلا يبس ، حتى كان صخرة وكذا روى البخارى ومسلم والترمذى والنسائى أن الله جل وعلا أمسك جرية الماء عن الحوت ، فصار عليه مثل الطلق أى القوس .

قال أبو حامد الأندلسى : رأيت سمكة بقرب مدينة سبقة من نسل الحوت الذى تزوَّده موسى وفتاه عليهما السلام ، وأكلا منه ، وهى سمكة طولها أكثر من ذراع ، وعرضها شِبْر ، وحدّ جنبيها شوك وعظم وجلد رقيق على أحشائها ، ولها عين واحدة ، ونصف رأس مَن رآها من جانب استقذرها وحسبها مأكولة ، ومن جانب آخر صحيحة يتبرك بها ، ويُهدى إلى المراضع .

وقال أبو شجاع فى كتاب الطبرى : أتانى به رجل فرأيته ، فإذا هو شق حوت ، وليس له إلا عين واحدة .

قال ابن عطية : وأنا رأيته ، وعلى شقّه قشرة رقيقة ليس تحتها شوكة .

فنقول : لعل بعضا كما قال أبو حامد ، وبعضا كما قال ابن عطية ، ولعل ذلك انقطع بعد أو غفل الناس وجهلوا ، ولم يتعرفوا ذلك .

ونص محمد بن كعب القرظى كما مر على أن البحرين بحر طنجة التقى هناك المحيط مع البحر الآخر المذكور ، ويقوى ذلك مدينة الجدار فى الغرب وشح أهل تلمسان ، حتى لم يضيِّفوهما ، وأيضا لا مجمع بين بحرى فارس والروم ، ولو تقاربا إِلا فى المحيط أعنى أنه أصلهما .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٠١