سورة مريم · الآية ٤٧ من ٩٨

‹ السورة السابقة
قَالَ سَلَٰمٌ عَلَیۡكَۖ سَأَسۡتَغۡفِرُ لَكَ رَبِّیۤۖ إِنَّهُۥ كَانَ بِی حَفِیࣰّا٤٧
الرسم الإملائيّ

قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا

الجزء ١٦الربع ١٢٣ صفحة ٣٠٨

تفسيرها

[سورة مريم — آية 47]

﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ توديع ومتاركة ، ومقابلة للسيئة بالحسنة ، أي: سلمت مني لا أصيبنك بمكروه ، ولكن ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ بليغا بالبر والألطاف.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٩٧

[سورة مريم — آية 47]

﴿ قَالَ : سَلاَمٌ عَلَيْكَ ﴾ . قال الحسن : وهذه كلمة حِلم . ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً ﴾ أي : بدعائي فلا يرده عليّ . وفي تفسير الكلبي : إنه كان بي رحيماً . وقال بعضهم : كان بي لطيفاً . وقال بعضهم : الحفي : ذو المنزلة . وأما قوله : ﴿ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ فهو كقوله : ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ ﴾ [ التوبة : 114 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٩٧

[سورة مريم — آية 47]

﴿ قال ﴾ كأنه جواب سؤال عما قال إبراهيم ﴿ سلام عليك ﴾ سلام موادعة ، ومقابلة السيئة بالحسنة ، أى لا يصيبك منى ما يؤذيك من دعاء إلى الخير ، إذ لم تقبل منى كقوله تعالى : ﴿ لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين ﴾ إلا أنه هنا ما ذكر الجهل ، وقيل تحية مفارقة بناء على جواز أن يبدأ المسلم الكافر بالسلام ، وهو مذهب سفيان بن عيينة ، مستدلا بقوله تعالى : ﴿ لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ﴾ وقوله تعالى : ﴿ قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم ﴾ الآية ، ويرده أن ذلك مقيد بما فى صحيح مسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام » وقد يخالف شرع إبراهيم فى هذا شرعنا .

﴿ سأستغفر لك ربى ﴾ أن يوفقك إلى التوبة ، ووفى بهذا الوعد بعد ، كما قال الله عز وجل عنه : ﴿ واغفر لأبى إنه كان من الضالين ﴾ ﴿ وما كان استغفار ابراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه ﴾ أى وعدها لأبيه لا كما قيل وعدها أبوه له أن يؤمن بالله والاستغفار ، بمعنى طلب الهداية ، ولما تبين له أنه قضى الله أن لا يؤمن ، وجب عليه أن لا يطلب له الهداية ، إلا أنه إذا كان الاستغفار بمعنى طلب الهداية ، فهو جائز لكل غاسق أو مشرك ما لم يمت ، ويجىء الوحى أنه لا يؤمن أحاديث : « اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون » ومشهور مذهبنا فى المغاربة منع ذلك .

وقد يكون الاستغفار على ظاهره مبنياً على اشتراط الاسلام مثل أن يقول : الله اغفر له على أن يتوب وإما أن تقول فيمن ظهر لك موجب ولايته ، اللهم اغفر له إن كان سعيداً أو موجب براءته اللهم العنه ، إن كان شقيا ، فلا يجوز على المشهور ، بل تتول أو تتبر بلا اشتراط لذلك ، واتفقوا على أن لا اشتراط فى المنصوص عليه ، والمذهب الصحيح أن لا يستغفر للمشرك مطلقاً إلا إن جاء الوحى أنه سيؤمن ، وكل من علمت بشركه فقد تبين لك أنه من أصحاب الجحيم بحسب الظاهر لك ، ولا تكلف الغيب .

﴿ إِنه كانَ بى حفياً ﴾ عظيم البر والإكرام لى ، وكثيره ، والجملة تعليل لما قبلها ، وبى متعلق بحفياً ، قدم للفاصلة والاهتمام الذى علمه الله من إبراهيم ، ولا يخفى ما فى كلام إبراهيم من الرحمة كما هى شأن الأنبياء كلهم ، وخصوصا للأقارب ، وخصوصاً من الأقارب الأبوين اداء لبعض حقوقهما كما هنا ، وإن كان عماً ، فالعم كالأب .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٩٧