سورة البقرة · الآية ١٠٢ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتۡلُوا۟ ٱلشَّیَٰطِینُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَیۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَیۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّیَٰطِینَ كَفَرُوا۟ یُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَاۤ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَیۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا یُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ یَقُولَاۤ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةࣱ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَیَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا یُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَیۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَاۤرِّینَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَیَتَعَلَّمُونَ مَا یَضُرُّهُمۡ وَلَا یَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُوا۟ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِی ٱلۡءَاخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقࣲۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡا۟ بِهِۦۤ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ١٠٢
الرسم الإملائيّ

وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ

الجزء ١الربع ٦ صفحة ١٦

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 102]

﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ ﴾ أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر (لعله) ممَّا وسوست به الشياطين ، ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ تكذيب للشياطين ، ودفع لمِا (لعله) بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ هم الذين كفروا باستعمال السحر وتدوينه . ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ قصدا لأغوائهم وإضلالهم . (لعله) وقيل : معنى السحر العلم والحدقُ بالشيء ؛ وقيل : السحر عبارة عن التمويه والتخييل ؛ وقيل : إنه يؤثِّر في فلت الأعنان ، فيجعل الأدميَّ على صورة الحمار والأصحُّ أنه تحيُّل ؛ قال : الله ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ ) لكنَّه يؤثر في الأبدان ، (لعله) بالأمراض والموت ، والحيوان ، والكلام تأثيره النَّطَّاع ، والنفوس ؛ وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمرُّ ويغضب فهو بمنزلة العوارض والعلل التي توثِّر في (لعله) الأبدان . ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ ومن جواب أبي سعيد : << وقلتُ : ما يقول في الملكين هاروت وماروت اللَّذين يعلَّمان الناس يبرأُ منهما أم كيف الوجه فيهما ؟ أنهما كانا من الملائكة فالملائكة عليهم السلام في ولاية الله وطاعته ، وقال الله فيهم : (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) . فمن عادى ملائكة الله فقد عادى الله عزَّوجَّل ، وقد عرفنا من قول أبي الحسن رحمه الله قول الله تعالى : ( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) إنما أولئك الشياطين ، ( وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) معَنَا أنه ما أنزل السحر على الملكين هاروت وماروت ، ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ) أي ما يعلَّمان هُمَا أحدا السحرَ ، وإنما كانا يقولان : السحرُّ كذا وكذا فلا تكفر، فلا تفعـل كذا فتكفر >> . رجع : ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا ﴾ ينبِّهاه وينصحاه ويقولاَ له : ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ ابتلاء واختبار ، ﴿ فَلا تَكْفُرْ﴾ بتعلَّمه والعمل به على وجه يكون كفرا ، ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ أي علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين . ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ ﴾ بالسحر ، ﴿ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ بقضاء به ومشيئته . ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ﴾ في الآخـرة ، ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ أي اليهود ، ﴿ لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ أي استبدل ما يتلوا الشياطين على كتاب الله . ﴿ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ نصيب بسبب حبوط أعماله بارتكاب ما نهى الله عنه ، ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ باعوها ، وإنما نفى العلم منهم بقوله : ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ مع إثباته لهم : ( ولقد علموا ) على سبيل التوكيد القَسمَيِّ لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلهم ، جعلهم حين لم يعملوا به كأنَّهم لا يعلمون.

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٩

[سورة البقرة — آية 102]

قوله : ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ .

ذكر بعض المفسرين أن الشياطين ابتدعت كتاباً فكتبت فيه سحراً وأمراً عظيماً ، ثم أفشته في الناس وعلَّموهم [ إياه ] . فبلغ ذلك سليمان فتتبع تلك الكتب ، فدفنها تحت كرسيه كراهة أَن يتعلَّمها الناس . فلما قبض الله سليمان عمدت الشياطين فاستخرجوها من مكانها وعلّموها الناس ، وقالت : هذا علم كان سليمان يستأثر به ويكتمه . فعذر الله سليمان ، وأخبر أن الشياطين هي التي كتبت تلك الكتب . فقال : ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ ﴾ . أي من الكهانة والسحر ، ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ . وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ . أي : وما كان ذلك عن مشورته ولا عن أمره ، ولا عن رضى منه ، ولكنه شيء افتعلته الشياطين دونه ، ولكن الشياطين الذين افتعلوا ذلك هم الذين كفروا يعلّمون الناس السحر .

قال الكلبي : إن سليمان كان أصاب ذنباً فأَحبّ الله أن يعجِّل عقوبتَه في الدينا . فابتلاه بما كان من أمر الشيطان الذي كان خَلَفَه ، وذهب ملك سليمان . فلما انقضت المُدَّة ونزلت رحمة الله عليه ألقى الله في نفس الناس استنكار الشيطان ، فمشوا إلى أصف ، أحدِ الثلاثة خزان بيت المقدس ، فقالوا : يا أصف ، إنا قد أنكرنا قضاء الملك وعِلمَه ، فلا ندري أنكرت ما أنكرنا أم لا . فقال نعم . ولكني سوف أدخل على نسائه ، فإن كُنَّ أنكرن منه مثل الذي أنكرنا فذلك أمر عمّ الناس ، فاصبروا حتى يكشف الله عنكم ، وإن لم ينكرن منه مثل الذي أنكرنا فهو أمر خُصِصنا به ، فادعوا الله لملكِكم بالصلاح والعافية . فانطلق أصف فدخل على نسائه ، فسألهن عنه ، فقلن : إن كان هذا سليمانَ فقد هلكنا وهلكتم . فخرج أصف إلى الناس فأخبرهم ، فدعوا الله ربهم أن يكشف عنهم .

فلما رأت الشياطين الذي فيه الناس من الغفلة كتبوا سحراً كثيراً على لسان أصف ، ثم دفنوه في مصلّى سليمان وفي بيت خزانته وتحت كرسيه وضربوا عنه .

وفشا الاستنكار من الناس للشيطان وانقضت أيامه ، ونزلت الرحمة من الله لسليمان . فعمد الشيطان إلى الخاتم فألقاه في البحر . فأخذه حوت من حيتان البحر . وكان سليمان يؤاجر نفسه من أصحاب السفن ، ينقل السمك من السفن إلى البَرِّ ، على أن له سمكتين كل يوم .

فأخذ سليمان في أجرته يوماً سمكتين فباع إحداهما برغيفين ، وشقَّ بطن الأخرى ، فجعل يغسلها ، فإذا هو بالخاتم . فأخذَه ، والتفت إليه الملاّحون فعرفوه ، فأقبلوا إليه فسجدوا له . وتفسير السجود في سورة يوسف . فقال : ما أحمدكم الآن على السجود ، ولا ألومكم على ما كنتم تفعلون . وذلك أنه كان إذا أصابه الجهد استطعم وقال : أنا سليمان بن داود فيكذبونه ويستخِفّون به .

فأقبل سليمان إلى ملكه فعرفه الناس واستبشروا به ، وأخبرهم أنه إنما فعله به الشيطان . فاستغفر سليمان ربه فقال : ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لاَّ يَنبَغِي لأَِحَدٍ مِّن بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الوَهَّابُ ﴾ [ ص : 35 ] .

فسخَّر الله له الريح والشياطين ، وسخّر له الشيطان الذي فعل به ذلك الفعل ، واسمه صخر ، فأخذه سليمان فجعله في تخت من رخام ، ثم أطبق عليه ، وسدّ عليه بالنحاس ، ثم ألقاه في عرض البحر . فمكث سليمانُ في ملكه راضياً مطمئنّاً حتى قبضه الله إليه حميداً ، صلّى الله عليه وسلم .

ثم أتت الشياطين إلى أوليائهم من الأنس فقالوا : ألا ندلكم على ما كان سليمان يملك به الأنس ، وتدين له به الجن ، وتُسخَّر له الرياح؟ فقالوا : بلى . قالوا : احفروا في مصلاّه وبيت خزائنه وتحت كرسيه . ففعلوا . فاستخرجوا كتباً كثيرة مكتوباً [ عليها ] : « هذا ما عمل آصف للملك سليمان . فلما قرأوها إذا هي الشرك بالله . وقال صلحاء بني إسرائيل : معاذ الله أن نتعلمه! ولئن كان سليمان يعمل بهذا ويدين الله به لقد هلك سليمان . فتعلَّمه سفلةُ الناس من بني إسرائيل وقالوا : الملك خير منا يتعلم ما كنا نتعلم . وفشت اللائمة والقالة السيئة لسليمان في بني إسرائيل حتى عذره الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فقال : ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ ﴾ .

قوله : ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ . وهذا الكلام موصول بما قبله . يقول : ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ ﴾ واتبعوا ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ ﴾ يعني الفرقة بين المرء وزوجه .

قال بعض المفسرين : إن السحر سحران : سحر تعلِّمه الشياطين ، وسحر يعلِّمه هاروت وماروت .

وقال الحسن : إن المَلَكَين ببابل إلى يوم القيامة . وإن من عزم على تعلُّم السحر ثم أتاهما سمع كلامهما من غير أن يراهما ويلقاهما بالنظر .

ذكر مجاهد أن الملائكة عجبت من ظلم بني آدم وقد جاءتهم الرسل بالكتب فقال لهم ربهم : اختاروا منكم اثنين أنزلهما يَحكُمَان في الأرض ، فكانا هاروتَ وماروتَ . فحكما فعدلا حتى نزلت عليهما الزُّهرة في صورة أحسن امرأة تخاصم . فقالا لها : ائتينا في البيت . فكشفا لها عن عوراتهما وافتتنا بها . فطارت الزهرة فرجعت حيث كانت . ورجعا إلى السماء فزُجِرا فاستشفعا برجل من بني آدم ، فقالا له : سمعنا ربَّك يذكرك بخير [ فاشفع لنا ] . فقال : كيف يشفع أهل الأرض لأهل السماء؟ ثم واعدهما يوماً يدعو لهما فيه .

فدعا لهما . فخيِّرا بين عذاب الدنيا وبين عذاب الآخرة . فنظر أحدهما إلى الآخر فقال : ألم تعلم أن أفواج عذاب الله في الآخرة كذا وكذا وفي الخلد أيضاً؟ فاختارا عذاب الدنيا . فهما يعذَّبان ببابل .

ذكروا عن علي بن أبي طالب أنه قال : كانت الزهرة امرأة جميلة معجبة؛ فخاصمت إلى الملكين فراوداها فقالت : لا أفعل حتى تعلِّماني الاسمَ الذي إذا تُكُلِّم به عُرِجَ إلى السماء . فعلَّماها إياه . فعرجت ، فمسخها الله كوكباً .

ذكروا عن ابن عباس في هاروت وماروت أنه قال : أتتهما امرأة تخاصم إليهما ، فافتتنا بها ، فأراداها على نفسها ، فقالت : لا أمكنكما من نفسي حتى تشربا هذا الخمر ، وتعبدا هذا الصنم؛ وجاءهما رجل فقتلاه مخافة أن يقول عليهما .

ذكروا عن صفوان بن سليم أنه قال : ما نهض ملك من الأرض إلى السماء حتى يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

ذكروا عن ابن عمر أنه كان يقول إذا رأى الزهرة : لا مرحباً بك ولا أهلاً .

ذكرواعن ابن عباس أنه قال : أتدرون ما كانت تسمّى هذه الكوكب الحمراء في قومها؟ يعني الزهرة ، كانت تسمى بيدخت . ذكروا عن علي أنه قال : كان يقال لها أناهيذ .

قوله تعالى : ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ .

قال بعض المفسرين : كان أخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا له : إنما نحن فتنة ، أي بلاء ، فلا تكفر .

قال : ﴿ فَيَتَعَلََّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ وهو أن يُؤَخَّذَ كل واحد منهما عن صاحبه ، ويُبَغَّضَ كلُّ واحد منهما إلى صاحبه .

قوله : ﴿ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله ﴾ قال الحسن : من شاء الله سلّطهم عليه ، ومن شاء مَنَعهم منه ، وقال بعضهم : إلا بأمر الله .

قوله : ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ أي : لمن استحبه ، أي اختاره على التوراة ﴿ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ .

قال بعض المفسرين : قد علم أهل الكتاب في عهد الله إليهم أن الساحر لا خلاق له في الآخرة عند الله يوم القيامة . وقال الكلبي : ما له في الآخرة من خلاق ، أي ما له من نصيب . قال وهو مثل قوله : ﴿ وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ [ الشورى : 20 ] أي من الجنة . ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ أي : باعوا به أنفسهم . وكل شيء في القرآن شروا وشروه فهو بيع . وكل شيء فيه اشترى واشتروا فهو الشراء إلا قوله : ﴿ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ﴾ [ البقرة : 90 ] فإنه يعني بيسما باعوا به أنفسهم .

قوله : ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ قال الحسن : لو كانوا علماء أتقياء ما اختاروا السحر .

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٩

[سورة البقرة — آية 102]

﴿ واتَّبَعُواْ ﴾ معطوف على قوله ولما جاهم . . . إلخ ، عطف قصة على أخرى [ مَا ] أى السحر ، ما تأخذ الكهنة من الشياطين ، وما تضم إليه من الأكاذيب ﴿ تَتْلُواْ الشَّيَطِينُ ﴾ تتبع ، أو تقرأ على الناس ، أى ، ما تلت ، ولكن نزل الحال الماضية منزلة الحاضرة ، كأنهم تشاهد ، فليس مما يترتب على نبذ الذى هو جواب لما إلا على ما مر من أن القرآن وافق التوراة فنبذوها ، وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم يوافق القرآن ، فهذا قوله تعالى « ولما جاءهم رسول من عند الله . . . » الآية ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَنَ ﴾ فى عهد ملكه ، أى زمانه ، أو على بظاهرها ، فيضمن معنى تتلو معنى تتقول ، أى تكذب ، قالت اليهود ، انظروا إلى محمد ، يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان فى الأنبياء ، إنما كان ساحرا ، يركب الريح ، وكانوا لا يسألونه عن شىء إلا أنزل عليه ، فقالوا ، محمد أعلم بما أنزل إلينا منا ، فسألوه عن السحر فنزل ، واتبعوا ما تتلوا الآية ، محمد أعلم بما أنزل إلينا منا ، فسألوه عن السحر فنزل ، واتبعوا ما تتلو الآية ، وقيل ملك سليمان كرسية ﴿ وَمَا كَفَرَ ﴾ أشرك ﴿ سُلَيْمَنُ ﴾ فإن السحر الذى تتلوه الشياطين تضمن إشراكا ، كدعوى ، أن الساحر خلق كذا ، أو حول الشيخ شابا ، أو الإنسان حمارا أو الطبيعة علة تغنى عن الله ، وكدعوى أن السحر حلال وما لم يكن فيه شرك ففسق ، فلا ما نع من أن الكفر شامل لذلك كله ، وهذا كما عنده هذه الأمة ، ويحتمل أنه عند من قبلنا شرك مطلقا ، وما فعل سليمان ذلك وما علمه ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَطِينَ كَفَرُواْ ﴾ إذ فعلوه وعلموه الناس ، كما فسر الكفر بقوله ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ والمراد بالشياطين فى الموضعين متمردو الجن ، والمعنى الموجود فى الحقيقة ، وهى هنا متمردو الجن ، وفى المجاز وهو هنا متمرد الإنس ، وذلك المعنى هو مطلق التمرد ، وذلك عموم معنى الجميع بين الحقيقة والمجاز ، وهو الصحيح ، وقيل : شياطين الإنس ، وتعلم السحر للعمل به أو لتعليمه ، أو للرثاء به حرام ، وللحذر منه ، أو لتعليمه من لا يعصى به فمباح ، أو لغيره فمكروه أو مباح أو حرام ، أقوال .

وعن أحمد ، أن السحر شكر ولو لم يعتقد حله ، ولا تضمن خصلة شرك ، دفن سليمان عليه السلام كتب السحر ، وما يلقيه مسترقو السمع من الملائكة إلى الكهنة من صدق وكذب فى صندوق تحت كرسيه ، وقد شاع فى الناس أن الشياطين تعلم الغيب ، وقال : من قال ذلك قتلته ، ولما مات قال شيطان فى صورة إنسان لنفر من بنى إسرائيل : احفروا تحت الكرسى تستخرجوا منه لا يفنى ، وأراهم المكان ، فقالوا : دن ، فقال : من هنا ، وإن لم تجدوا فاقتلونى ، وكان لا يدنو منه شيطان إلا احترق ، فأخرجوها ، وقال لهم ، إن سليمان ضبط الثقلين والطير بها ، وفشا فى الناس أنه ساحر ، ورفضوا كتب الله إلا العلماء والصالحين ، فعلموا أن ذلك ليس من علمه ، بل نبى يعمل بتأييد الله ، وما زال قول السوء عليه حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل عليه براءته من السحر ، وقيل : دفنها صخر تحت الكرسى حين قبض الخاتم من زوجه الأمينة ، وكان يضعه عندها بجنابته أو حاجة الإنسان ، وقال : أعطنى الخاتم ، فأعطته ، ظنته سليما ، فلبسه ، وقعد على الكرسى ، وأذعن له الخلق ، وجاء سليمان يطلب منها ، فقالت : ما أنت هو ، قد أخذ سليمان وطر بعد أربعين يوماً ، وألقاه فى البحر على طريقه ، فبلعته سمكة فوقعت فى يد سليما ، فأخذه منها ، ولما مات ستخرجوها من تحت الكرسى على ما مر ، ولا مانع من ذلك .

وأما ما يقال إنه كان صخر يدخل على زوج سليمان فيطؤها فمنكر لا يصح ، لأن أزواج الأنبياء محفوظة من ذلك ، ولو كن مشركات ، وأمر الجن فأحضروه فحبسه فى صخرة ، فسد عليه بالرصاص والحديد فى قعر البحر ﴿ وَمَآ أُنْزِلَ ﴾ عطف على ما تتلوا أو على السحر ، كأنه قيل ، ويعلمونهم ما أنزل ﴿ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ﴾ من ملائكة الله ، أو رجلين كالملكين فى الصلاح ، والإنزال على ظاهره ، أو بمعنى الإلهام ، وما أنزل عليهما نوع من السحر قوى ، بل نوع غير السحر . كما يدل له العطف ، وعلى أنه من السحر فالعطف لتنزيله بالقوة منزلة تغاير الذات ﴿ بِبَابِلَ ﴾ فى بابل ، بلد فى سواد الكوفة ، وعن ابن مسعود ، هو أرض الكوفة ، قيل من نصيبين إلى رأس العين ، سميت لتبلبل ألسنة الناس عند وقوع صرح نمروذا ، ولأن الله حشر الناس بالريح لهذه الأرض ، فلم يدر أحد ما يقول الآخرة ، ثم فرقتهم الريح فى البلاد ، كل بلغته ، فالبلبلة تفرقهم عن بابل ، أو تغاير الألسنة فيها ، والتغاير تفرق ، ونزل نوح بلدة بثمانين إنسانا ، سميت بهم فأصبحوا يوما وقد تبلبلت ألسنتهم على ثمانين لغة ، وقيل سميت بهذه الثمانين لغة ﴿ هَرُوتَ وَمَرُوتَ ﴾ لفظان عجميان ، وقيل عربيان من الهربت والمرت بمعنى الكسر ، ويرى منع الصرف ، وسامها غرا وغرايا ، فلما أذنبا سميا باسم الكسر ، أباح الله لهما ملكين ، أو بشرين تعليم السرح ابتلاء من الله عز وجل للناس ، هل يتعلمونه ، وهل يعلمون به ، كما أن الله خلق المعصية ، ونهى عنها ، وخلق المحرمات كالخنزير ، ونهى عن تناولها ، وكما ابتلى قوم طالوت بالشرب من النهر ، أو ليتميز السحر من المعجزة ، إذ كثر فى ذلك الزمان مع ادعاء النبوة به .

وأما ما روى أنهما ملكان من أعيد الملائكة تعجبت الملائكة من كثرة ذنوب الناس وعظمها ، فقال الله : لو ركبت فيكم ما ركبت فيهم من الشهاوى لعصيتم مثلهم ، فقالوا : سبحانك ما كان ينبغى لنا ذلك ، فقال : اختاروا من هو أعبدكم ، فاختاروهما ، فركبها فيهما ، وأمرهما بالقضاء بين الناس ، ويصعدان مساء ، فاختصمت إليهما امرأة من لخم ، أو فارسية ملكة مع زوجهان فراوداها فشرطت أن يقضيا لها عليه ، فقضيا لها ، ثم أن يقتلاه فقتلاه ، وأن يشربا خمرا ، ويسجدا للصنم ففعلا ، وأن تعلمانى الاسم الذى تصعدان به فعلماها ، فصعدت ، فمسخت زهرة ، فلم يقدروا على الطلوع فالتجآ إلى إدريس فى عصرها ، فشفع لهما أن يختارا عذاب الدنيا أو الآخرة ، فاختارا الأولى ، لأنه ينقطع ، وعلقا بشعورهما ، أو منكوسين يضربان بسياط الحديد إلى قيام الساعة فبعيد ، وهو ممكن ، ولا يحكم بالكفر على قائله ، لأنه لم يثبت لها تلك المعاصى مطلقا ، بل قال ، ركب لله فيهما ما ركب فى البشر من الشهوة ، وذلك من حين أنزلا ، وليس متأخرا إلى وقت القضاء بين المرأة وزوجها ، فلا يعارض بعصمة الملائكة ، لأن الله أخرجها من شأنهما إلى شأن البشر ، وقول الملائكة ، سبحانك .

ما ينبغى لنا تعظيم الله . لا رد لقوله لو ركبت فيكم الشهوة لعصيتم ، وهما ملكان ، ولو ركب فيهما ذلك فلا ينافى تسميتها ملكين فى الآية ، وإن سلم ذلك فهما ملكان قيل : فهو مجاز بلا ضعف ، والشاهد الأحاديث ، والكلام فى العصمة مع البقاء على شأنها بلا إخراج ، وأما مع الإخراج عن شأنها لله أن يخرج من يشاء من أهلها إلى غيره ، فلا يكون معصوما . وأما الزهرة فالظاهر أنها قل ذلك لكم بلا نص على قبيلتها ، فجاءت هذه الرواية بحدوثها ، بنسخ المرة إليها .

وقد روى أن امرأة دخلت على عائشة رضى الله عنها تطلب التوبة من تعلم السحر منهما ، وأن رجلا من هذه الأمة أتاها ليتعلم ، فوجدهما معلقين بأرجلهما ، مزرقة أعينهما ، مسودة جلودهما ، بين ألسنتهما وبين الماء أربع أصابع ، يعذبان بالعطش ، وقد أثبت قصتهما الشيخ يوسف بن إبراهيم ، ورواها مرفوعة أحمد وابن حبان والبيهقى ، وموقوفة عن على وابن مسعود وابن عباس ، وصحح السيوطى الرواية . ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ ﴾ له مرة ، وهو الثابت ، وقيل ثلاثا ، وقيل سبعا ، وقيل تسعا ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ ابتلاء من الله للناس ، فمن تعلمه كفر ، أو من تعلمه وعمل به كفر ، وكذا من اعتقد أنه حق جائز ، من لم يتعلمه ، أو تعلمه ليتقى ضره ، أو يدفع به دعوة النبوة عن من ادعاها به ، وكان مؤمنا ، فهو باق على إيمانه ﴿ فَلاَ تَكْفُرْ ﴾ بتعلمه أو بالعمل به أو دعوى النبوة به ، فإن لم يرتدع بهذه النصيحة علماه ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ ﴾ أى الناس المعبر عنهم بأحد فى سياق السلب ، عطف على ما يعلمان ، كأنه قيل ، يعلمان الناس بعد قولهما ، إنما نحن . . . إلخ فيعلمون أو على يعلمون ﴿ مِنْهُمَا ﴾ من الملكين أنفسهما ، وقيل ، بتوسط شياطين ، يأخذان عنهما مرة فى السنة ويعلمان الناس ، أو من السحر وما أنزل على الملكين ، أو من الفتنة والكفر ، أى يتعلمون بعضا من كل منهما ، وعلى الثانى العطف على اتبعوه ، أو الوجه الأول أحق ﴿ مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ ﴾ الإنسان ﴿ وَزَوْجِهِ ﴾ أى قرينه ، حليلته وحليلها ، أو صاحبا وصاحبة مطلقا ، بأن ببغض كلا إلى الآخرة ، ولا مؤثر إلا الله ، والله يؤثر السحر ويطبع الطبائع ويؤثر أثرها ومن قال باستقلال شىء أشرك ﴿ وَمَا هُمْ ﴾ أى السحرة ، وهذا أولى من رد الضمير إلى اليهود أو الشياطين ﴿ بِضَارِّينَ بِهِ ﴾ أى بالسحر ، أو ما يفرقون به ﴿ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ ﴾ متعلق بضارين ، أى إلا بتقديره ، ومن قال بتخليته بينه وبين المسحور لم يرد أن السحر مستغن عن الله ومستقل ، فإنه لا تأثير لشىء إلا بالله ، وكل شىء مستأنف من الله ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ ﴾ فى الآخرة ، أو مع الدنيا ، وهو السحر ﴿ وَلاَ يَنْفَعُهُمْ ﴾ زاده .

لأنه قد يضر الشىء ، ومعه نفع فالسحر ضر محض ، وأما تعلمه لدفع الشبهة عن دعوى النبوة وليتقيه فنفى تعلمه خير على ما مر ، والذى عندى ، أنه لا يجوز تعلمه إلا لمن استوثق من نفسه أنه لا يستعمله ولا يعلمه لمن يعلم أنه يستعمله ، أولا يعلم حاله ، لأن للعلم بالشىء قوة داعية للعمل به ولا سيما مثل هذا ، والنفس داعية ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُواْ ﴾ أى اليهود المذكورون بالسوء فى عهده صلى الله عليه وسلم ، أو عهد سليمان ، والشياطين ، والكلام متعلق بقوله ، ولما جاءهم فصل بقصة السحر ﴿ لَمَنِ اشْتَرَيهُ ﴾ استبدله ، أو اشتراه بدينه ، اللام للابتداء ، والجملة جواب القسم ، ﴿ مَا لَهُ فِى الآخِرَةِ مِنْ خَلَقٍ ﴾ نصيب فى الجنة لبيعه بالسحر أو تعلمه ﴿ وَلَبِئْسَ ﴾ اللام لام جواب القسم ، والجملة معطوفة على الجواب السابق وهو ، لقد علموا ﴿ مَا شَرَوْا ﴾ باعوا ﴿ بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ وهو الكفر مطلقا ، أو السحر أو تعلمه ، أو نبذوا كتاب الله المنجى من الهلاك إلى ذلك الهلاك ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أى حقيقة ما يصيرون إليه من العذاب للكفر أو السحر ، أو تعلمه ما فعلوه ، وإلا فقد أثبت لهم العلم فى قوله ، ولقد علموا ، فالعلم المثبت الظن أو هو العلم بأن اشتروا النفس بالسحر مثلا مذموم بدون علم أن منه ما يفعلونه ، فإن حب الشىء يعمى ويصم ، والعلم المنفى بلو العلم بحقيقة ما يصيرون إليه . وملزم له فى الجنة ، ويجوز كون لو للتمنى فلا جواب لها .

افتحه في القارئ · صفحة ١٠٩