التفسير الميسر سعيد بن أحمد بن سعيد الكندي

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 102]

﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ ﴾ أي نبذ اليهود كتاب الله واتبعوا كتب السحر (لعله) ممَّا وسوست به الشياطين ، ﴿ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ تكذيب للشياطين ، ودفع لمِا (لعله) بهتت به سليمان من اعتقاد السحر والعمل به ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا ﴾ هم الذين كفروا باستعمال السحر وتدوينه . ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ قصدا لأغوائهم وإضلالهم . (لعله) وقيل : معنى السحر العلم والحدقُ بالشيء ؛ وقيل : السحر عبارة عن التمويه والتخييل ؛ وقيل : إنه يؤثِّر في فلت الأعنان ، فيجعل الأدميَّ على صورة الحمار والأصحُّ أنه تحيُّل ؛ قال : الله ( يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ ) لكنَّه يؤثر في الأبدان ، (لعله) بالأمراض والموت ، والحيوان ، والكلام تأثيره النَّطَّاع ، والنفوس ؛ وقد يسمع الإنسان ما يكره فيحمرُّ ويغضب فهو بمنزلة العوارض والعلل التي توثِّر في (لعله) الأبدان . ﴿ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ ومن جواب أبي سعيد : << وقلتُ : ما يقول في الملكين هاروت وماروت اللَّذين يعلَّمان الناس يبرأُ منهما أم كيف الوجه فيهما ؟ أنهما كانا من الملائكة فالملائكة عليهم السلام في ولاية الله وطاعته ، وقال الله فيهم : (مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) . فمن عادى ملائكة الله فقد عادى الله عزَّوجَّل ، وقد عرفنا من قول أبي الحسن رحمه الله قول الله تعالى : ( يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) إنما أولئك الشياطين ، ( وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ ) معَنَا أنه ما أنزل السحر على الملكين هاروت وماروت ، ( وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ ) أي ما يعلَّمان هُمَا أحدا السحرَ ، وإنما كانا يقولان : السحرُّ كذا وكذا فلا تكفر، فلا تفعـل كذا فتكفر >> . رجع : ﴿ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا ﴾ ينبِّهاه وينصحاه ويقولاَ له : ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ ﴾ ابتلاء واختبار ، ﴿ فَلا تَكْفُرْ﴾ بتعلَّمه والعمل به على وجه يكون كفرا ، ﴿ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ أي علم السحر الذي يكون سببا في التفريق بين الزوجين . ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ ﴾ بالسحر ، ﴿ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ بقضاء به ومشيئته . ﴿ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ ﴾ في الآخـرة ، ﴿ وَلَقَدْ عَلِمُوا ﴾ أي اليهود ، ﴿ لَمَنِ اشْتَرَاهُ ﴾ أي استبدل ما يتلوا الشياطين على كتاب الله . ﴿ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ نصيب بسبب حبوط أعماله بارتكاب ما نهى الله عنه ، ﴿ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ ﴾ باعوها ، وإنما نفى العلم منهم بقوله : ﴿ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ مع إثباته لهم : ( ولقد علموا ) على سبيل التوكيد القَسمَيِّ لأن معناه لو كانوا يعلمون بعلهم ، جعلهم حين لم يعملوا به كأنَّهم لا يعلمون.

١٠٩ / ٦٬٢٣٦