سورة البقرة · الآية ١٠٩ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَدَّ كَثِیرࣱ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ یَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِیمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدࣰا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ فَٱعۡفُوا۟ وَٱصۡفَحُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۤۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ١٠٩
الرسم الإملائيّ

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

الجزء ١الربع ٧ صفحة ١٧

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 109]

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً ﴾ أي لأجل الحسد ، وهو الأسف على الخير عند الغير ، ﴿ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ من قبل شهواتهم لا من قبل التديُّن والميل مع الحقَّ ، ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ ﴾ أي بعد علمهم بأنـَّكم على الحقَّ ، ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا ﴾ فاسلكوا معهم عن المجاراة سبيل العفو والصفح عمَّا يكون منهم من العداوة ، ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ بالقتال ، أو بما يشاء ، ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١١٦

[سورة البقرة — آية 109]

قوله : ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم ﴾ يعني من لم يؤمن منهم . ﴿ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ ﴾ أي : أن محمداً رسول الله وأن دينه الحق ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْْءٍ قَدِيرٍ ﴾ .

قال بعض المفسرين : نزلت قبل أن يؤمر بقتال أهل الكتاب ، ثم أنزل الله بعد ذلك سورة براءة فأتى بها بأمره فقال : ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالله وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ . وذلك أن أهل الكتاب لا يُقِرّون أن الناس يُبعثون في أجسادهم ويقولون : إنما تبعث الأرواح في غير أجساد . قال : ﴿ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحَقِّ ﴾ أي الإِسلام ﴿ مِنَ الِّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [ التوبة : 29 ] . قال بعض المفسرين : أمر الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية .

افتحه في القارئ · صفحة ١١٦

[سورة البقرة — آية 109]

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ ﴾ منهم ، حيى بن أخطب ، وأبو ياسر ، وكانا أشد الناس حسدا للعرب على الإسلام وكون النبى منهم ﴿ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ﴾ أحب وتمنى كثير من اليهود ردكم ، أى تصيركم ﴿ مِّن بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّاراً ﴾ مشكرين وقوله ﴿ حَسَداً ﴾ تعليل لود ، لا ليرد ، لأن المعنى عليه ود ، وأن يكون الرد للحسد ، وليس مراداً ، ووصف الحسد بقوله ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ لخبثها الشديد فلا موجب لذلك الرد من التدين ، بل تشهيا ، أو من عند ذواتهم ، كأنهم جبلوا عليه ، فيصعب زواله ﴿ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ﴾ فى التوراة ، بموافقة تعوته فيها وبالمعجزات ﴿ الْحَقُّ ﴾ أى بعد تبين الحق لهم ، أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن .

قال نفر من أحبار اليهود كفنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس لحذيفة وعمار بعد أحد ، لو كنتم على الحق لما غلبتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا : أمر شديد ، فقال : عاهدت الله تعالى ، ألا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت ، فقالت اليهود ، أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربّاً ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماماً ، وبالكعبة قبلة ، وبالمؤمنين إخوانا ، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أفلحتما ، فنزل ، ود كثير ﴿ فَاعْفُواْ ﴾ عن اليهود والعرب ، كما لم يذكر لفظ عنهمن والفاء تدل على اليهود أولا وبالذات ، ودخلت العرب ثانيا وبالتبع لا تعاقبوهم ، ﴿ وَاصْفَحُواْ ﴾ عنهم ، لا تعاتبوهم العتاب الشديد ، وضعف ما قيل ، لا تخالطوهم ، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ، وأصل العفو محو الجريمة ، من عفا إذا اندرس ، وترك العقوبة لازمة ، وبينهما عموم وخصوص ، من وجه ، يجتمعان إذا لم يعاقب ولم يعاتب ﴿ حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ ﴾ واحد الأمور . وهى القيامة ، والجزاء فيها ، وقوة الرسالة وكثرة الأمة ، أو ضد النهى ، بأن يأذن فى قتالهم لوقته ، فجاء الإذن فى قتال العرب قبل بدر ، إذ قال ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ الآية ، وجاء الإذن فى أخذ الجزية من أهل الكتاب ، وبقتل قريظة وإجلاء النضير بعد أحد ، بل بعد الأحزاب ، وهى بعد أحد ﴿ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فلا يعجزه الانتقام منهم .

افتحه في القارئ · صفحة ١١٦