تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة البقرة

الجزء البقرة · صفحة ٠
[سورة البقرة — آية 109]

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ ﴾ منهم ، حيى بن أخطب ، وأبو ياسر ، وكانا أشد الناس حسدا للعرب على الإسلام وكون النبى منهم ﴿ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ﴾ أحب وتمنى كثير من اليهود ردكم ، أى تصيركم ﴿ مِّن بَعْدِ إِيمَنِكُمْ كُفَّاراً ﴾ مشكرين وقوله ﴿ حَسَداً ﴾ تعليل لود ، لا ليرد ، لأن المعنى عليه ود ، وأن يكون الرد للحسد ، وليس مراداً ، ووصف الحسد بقوله ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ لخبثها الشديد فلا موجب لذلك الرد من التدين ، بل تشهيا ، أو من عند ذواتهم ، كأنهم جبلوا عليه ، فيصعب زواله ﴿ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ﴾ فى التوراة ، بموافقة تعوته فيها وبالمعجزات ﴿ الْحَقُّ ﴾ أى بعد تبين الحق لهم ، أن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن .

قال نفر من أحبار اليهود كفنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس لحذيفة وعمار بعد أحد ، لو كنتم على الحق لما غلبتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ، فقال عمار : كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا : أمر شديد ، فقال : عاهدت الله تعالى ، ألا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما عشت ، فقالت اليهود ، أما هذا فقد صبأ ، وقال حذيفة : وأما أنا فقد رضيت بالله ربّاً ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن إماماً ، وبالكعبة قبلة ، وبالمؤمنين إخوانا ، فأخبرا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أفلحتما ، فنزل ، ود كثير ﴿ فَاعْفُواْ ﴾ عن اليهود والعرب ، كما لم يذكر لفظ عنهمن والفاء تدل على اليهود أولا وبالذات ، ودخلت العرب ثانيا وبالتبع لا تعاقبوهم ، ﴿ وَاصْفَحُواْ ﴾ عنهم ، لا تعاتبوهم العتاب الشديد ، وضعف ما قيل ، لا تخالطوهم ، وقد يعفو الإنسان ولا يصفح ، وأصل العفو محو الجريمة ، من عفا إذا اندرس ، وترك العقوبة لازمة ، وبينهما عموم وخصوص ، من وجه ، يجتمعان إذا لم يعاقب ولم يعاتب ﴿ حَتَّى يَأْتِىَ اللهُ بِأَمْرِهِ ﴾ واحد الأمور . وهى القيامة ، والجزاء فيها ، وقوة الرسالة وكثرة الأمة ، أو ضد النهى ، بأن يأذن فى قتالهم لوقته ، فجاء الإذن فى قتال العرب قبل بدر ، إذ قال ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ الآية ، وجاء الإذن فى أخذ الجزية من أهل الكتاب ، وبقتل قريظة وإجلاء النضير بعد أحد ، بل بعد الأحزاب ، وهى بعد أحد ﴿ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فلا يعجزه الانتقام منهم .

١١٦ / ٦٬٢٣٦