سورة البقرة · الآية ١٢٥ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا وَٱتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِۦمَ مُصَلࣰّىۖ وَعَهِدۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَٰهِۦمَ وَإِسۡمَٰعِیلَ أَن طَهِّرَا بَیۡتِیَ لِلطَّاۤئِفِینَ وَٱلۡعَٰكِفِینَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ١٢٥
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ

الجزء ١الربع ٨ صفحة ١٩

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 125]

﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ ﴾ مثابة : مرجعا يثاب إليه كلَّ عام ، أي وقلنا له : اتخذوا منه موضع صلاة يصلَّون فيه للناس مباءة ومرجعاً للحجَّاج والعمَّارة ، (لعله) والقائمين والعاكفين والركَّع السجود ، يحصلون به الثواب . ﴿ وَأَمْناً ﴾ أي ذا أمن ، ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً ﴾ للصلاة . عن النخعي : << الرم كله مقام إبراهيم >> . ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ أمرناهما ، ﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ قيل : طهِّراه من كلِّ ما يعبد من دون الله ، للعابدين الله لأنه موضع للعبادة ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٣٢

[سورة البقرة — آية 125]

قوله : ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ ﴾ أي : مجمعاً لهم . وقال بعضهم : بثوبون إليه كل عام . وهو قول الكلبي .

قوله : ﴿ وَأَمْناً ﴾ . كان ذلك في الجاهلية؛ لو أن رجلاً جَرَّ كل جريرة ثم لجأ إلى الحرم لم يطلب ولم يُتناول . وأما في الإِسلام فإن الحرم لا يمنع من حدٍّ؛ من قَتل قُتِل ومن أصاب حداً أُقيم عليه .

وذكروا عن ابن عباس أنه قال : إذا أصاب الرجل حداً ثم لجأ إلى الحرم فإنه لا يُبَايَع ولا يُجالَس ولا يُؤْوَى حتى يخرج من الحرم؛ فإذا خرج من الحرم أقيم عليه الحدّ .

قوله : ﴿ وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً ﴾ أي موطىء قدميه .

ذكر بعضهم أنه قال : أمروا بالصلاة عنده ولم يؤمروا بمسحه . ولقد تكلفت هذه الأمة أشياء ما تكلفها الناس قبلهم؛ ما زالوا يمسحونه مسحاً وإن أثر قدميه وعقبيه فيه حتى اخلولق وامّحى .

ذكروا عن ابن عباس أنه قال : مقام إبراهيم الحرم كله .

ذكروا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن إبراهيم ، لما استأذن سارة في زيارة إسماعيل وهاجر فأذنت له ، اشترطت عليه ألا ينزل . فقدم وقد ماتت هاجر ، فانتهى إلى بيت إسماعيل ، فقال لامرأته : أين صاحبك؟ فقالت له : ليس هو ها هنا . وكان يخرج من الحرم ويتصيّد؛ فقال لها إبراهيم : هل عندك من ضيافة؟ هل عندك طعام؟ هل عندك شراب؟ قالت : ليس عندي شيء . قال لها : إذا جاء صاحبك فأقريا السلام ، وقولي له فليغير عتبة بابه ، ثم ذهب .

فلما جاء إسماعيل وجد ريح أبيه إبراهيم . فقال لها : هل جاءك أحد؟ فقالت : جاءني شيخ كذا وكذا ، كأنها مستخفة بأمرة . قال : فما قال لك؟ قالت : قال : قولي له : غيّر عتبة بابك فطلَّقها وتزوّج أخرى .

ثم إن إبراهيم استأذن سارة بعد ذلك فأذنت له ، واشترطت عليه أن لا ينزل . فجاء حتى انتهى إلى بيت إسماعيل فقال لامرأته : أين صاحبك؟ فقالت : ذهب إلى الصيد ، وهو يأتي الآن إن شاء الله ، انزل يرحمك الله . قال : هل عندك ضيافة؟ قالت : نعم . قال : هل عندك خبز؟ قال : لا . قال : هل عندك بر؟ قالت : لا . قال : هل عندك شعير؟ قالت لا؛ وجاءته بلبن ولحم . فدعا لها بالبركة في اللبن واللحم الذين جاءته بهما؛ ولو جاءته يومئذ ببر وشعير لكانت أكثر أرض الله براً وشعيراً . قالت : فانزل حتى أغسل رأسك . فلم ينزل . فجاءته بالمقام فوضع عليه إحدى قدميه ، فغسلت أحد شقي رأسه ، وبقي أثر قدمه فيه . ثم حولته إلى الجانب الآخر ، فوضع قدمه الأخرى على المقام فغسلت شق رأسه الآخر وبقي أثر قدمه فيه .

ذكروا عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قبل حجته طاف بالبيت ، فمشى إلى المقام وهو يقول : ﴿ وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً ﴾ ، فصلى خلفه ركعتين قرأ فيهما : ﴿ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ﴾ و ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ .

قال بعض أهل العلم : بلغني أن المقام قبلة البيت ، وأن البيت قبلة المسجد الحرام ، وأن المسجد الحرام قبلة الحرم ، وأن الحرم قبلة مكة ، وأن مكة قبلة أهل الآفاق .

قوله : ﴿ وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ أي من عبادة الأوثان وقول الزور والمعاصي .

ذكروا عن عائشة أنها قالت : كسوة البيت على الأمراء ، ولكن طيِّبوا البيت ، فإن ذلك من تطهيره .

قوله : ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ الطائفون من يعتقبه من الناس ، والعاكفون أهل مكة ، والركع السجود أهل الصلاة .

وقال بعضهم : الطائفون الذين يطوفون حوله ، والعاكفون القعود حوله ينظرون إليه ، والركع السجود الذين يصلون إليه . ذكروا عن مجاهد وعطاء أن النظر إلى البيت عبادة ويكتب له به حسنات .

افتحه في القارئ · صفحة ١٣٢

[سورة البقرة — آية 125]

﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ ﴾ الكعبة ﴿ مَثَابَةً لَّلنَّاسِ ﴾ مرجعاً يثوب إليه من كان عنده أو يجيئه من لم يكن عنده ، أو يلتجىء إليه الخائف ، وإطلاق الرجوع لمن لم يكن مجاز ، فذلك جمع بين الحقيقة والمجاز ، وقد أجيزا ، وهو من عموم المجاز ، ويناسب الإطلاق أن الآتى والراجع كواحد ، لاتفاق الدين ، أو مثابة بمعنى موضع ذهاب إليه ، أو مزار ، استعمال للمقيد فى معنى المطلق ، أو هو موضع ثواب ، فلا مجاز ، وتاؤه لتأنيث البقعة ، وقيل : هى للمبالغة كما فى الوصف ، كعّلامة ، لكنه لا يؤنث ، وهو اسم مكان ميمى ، أو مصدر ميمى ، أى ذا ثواب ، والأول أولى ، والأصل مثوبة بإسكان الثاء ، فتحت بفتحة الواو نقلا ، فقلبت ألفا ﴿ وَأَمْناً ﴾ موضع أمن ، أى ذا أمن ، وقد يناسب هذا أن تجعل مثابة مصدراً ، أى ذا مثابة وأمن للناس فى حرمه ، أو أمن لحرمه ، لا يقع فيه ما يقع فى غيره من الظلم والقارة ، يلقى فيه للرجل قاتل أبيه فلا يخيفه ولا يهيجه ، ويتبع الكلب الصيد فيدخل الحرم فلا يتبعه بعد لحرمة الحرم ، وقد قال الله : ﴿ حرماً آمناً ﴾ فقد تقول ، آمناً بمعنى آمن إلا أن فيه مجاز التعلق والاشتقاق ، وإذ جعلنا المصدر بعنى اسم فاعل ومجاز الإسناد ، لأن الذى يأمن هو الناس لا الحرم ، وما تقدم فيه مجاز واحد كلا مجاز ، إذ هو مجاز حذف ، ومن جنى فى الحرم حد فيه ، أو خارجا فالتجأ إليه أخرج ، أو ضيق عليه حتى يخرج فيحد ، وذلك من جملة الأمن فيه ، وذكر بعض أنه آمن للحاج من النار وكفارة لذنوبه التى بينه وبين الله يوم القيامة ، ولا يدرى فى الدنيا أقبل منه أم رد ﴿ وَاتَّخّذُوا ﴾ أى الناس ﴿ مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى ﴾ بفتح الخاء إخبار بمعنى الأمر ، كأنهم امتثلوا الاتخاذ ، فهو يخبر بوقوعه ، والعطف عطف قصة على أخرى ، أى ، وإذ اتخذوا ، أو على جعلنا ، لأن الغرض بيان أحوال البيت ، ومنها الجعل والاتخاذ ، أو يقدر ، فثابوا واتخذوا ، ولا بأس به ، ولو كان الأصل عدم الحذف ، لاتحاد المنسدين فى المسند إليه ، ومن بمعنى إلى ، لأن المصلى يتوجه إلى الحجر الذى هو المقام ، وينوى القبلة الكعبة ، أو للابتداء ، كقولك : رايته من ذلك المكان ، أى انتهى شأنه منه إليك ، أو من للتبعيض ، أو للظرفية ، على أن المقام الحرم ، أو ما دار بالمطاف ، لا الحجر خصوصاً ، والمراد على كل وجه بالمصلى هو الموضع المختار لركعتى الطواف ، ويستحب النفل والفرض فيه ، إذا لم يعطل ركعتى الطواف ، وذلك أنه اتخذ للصلاة مطلقا ، وهو أربعون ذراعاُ شمالا ويمينا وخلفاً ، والمقام موضع القيام ، وهو ذلك الحجر ، قام عليه عند بناء الكعبة يدور به إلى جهاتها ، ويعلو به ، وعند ندائه ، أيها الناس ، حجوا بيت ربكم تطاول حتى ساوى أبا قبيس ، وعند غسل زوج إسماعيل رأسه ، أعنى رأس إبراهيم ، إذ زاره ولم يجده ، أو زار الكعبة ، والمحول له إلى موضعه اليوم هو رسول الله صلى الله عليه وسلم كما هو مروى بسند ولو كان فهي ضعف ، لا عمر ، كما روى بسند ولو كان قويا ، ولو احتمل أنه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه مطلقا بالبيت ، فعلم عمر أن المراد جعله بين المصلى والكعبة أينما هو ، فأخره إلى حيث هو اليوم .

وروى أنه صلى الله عليه وسلم أخذ بيد عمر ، فقال له : هذا الحجر مقام إبراهيم ، فقال عمر : أفلا تتخذه مصلى ، فقال : لم أومر بذلك ، فلم تغب الشمس حتى نزلت الآية .

ويقال : كان داخل الكعبة ثم أخرج ، وقيل : موضعه اليوم هو بيت إبراهيم يحوله إليه من البناء كل يوم ، وقيل المقام الحرم ، وقيل مواضع الحج والصلاة والدعاء عرفة والمزدلفة ومنى ، ومواضع الرمى والصلاة فى ذلك دعاء ، وقيل : الكعبة ، أى موضع صلاة إليه ، إذ يصلى إليها ، ولا مقام إلا مقام إبراهيم عليه السلام ، وهو مقام للمؤمنين كلهم على حد سواء ، ولا وجه لنسبته للشافعى ، ولا وجه للبناء فيه لأنه نقص منه ومن المسجد ، ولا وجه لجعل مقام آخر لمالك ، وآخر لأبى حنيفة ، وآخر لأحمد ، فإن ذلك زيادات فى الدين وتشرع فيه وبدعة ، ونفص من الحرم المقام بالبناء ، ومناقضة لمقام إبراهيم حتى إنه استوت الثلاثة عند العامة بمقام إبراهيم ، ويفضلها عامة أهليها على مقام إبراهيم ، وقد قال أمير مكة للسلطان حمود ، وهو سلطان زنجبار ، أعوام إقامته بمكة : أبنى مقاماً لك وللإباضية أهل مذهبك؟ فقال : لا تفعل ، لأنه خلاف الشريعة ، ولأنهم لا يقبلون ذلك عنى ولا عنك ، ولا يقف فيه أحد منهم ، فلذلك ونحوه قلت فيه :

حَمُّودُنَا ابْنُ مُحَمَّدٍ وَشِيعَتُهُ … ظَلُّ الْبَرِيَّةِ وَالْحَقُّ شَرِيعَتُهُ

القصيدة : ﴿ وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ ﴾ أصله إسمع إيل ، أى بالله ، ولقد علمت أن العبرية قريبة من العربية ، والمعنى ، أن إبراهيم قال ، اسمع يا ألله دعائى بأن ترزقنى ولدا ، فرزقه ، فسماه إسماعيل ، وهو قوى ، ولو ضعفه بعض ، واختار ا ، ه مطيع الله ، والعهد إلى إبراهيم بالذات ، وإلى إسماعيل بالواسطة ، أمرناهما ، وأمرهما علم عهد إليها ، وفسر العهد إذ فيه معنى القول بقوله ﴿ أَنْ طَهِّرَا ﴾ أو يقد بأن طهرا ﴿ بَيْتِىَ ﴾ من الأوثان والأنجاس وما لايليق والحائض والنفساء ، وأهل الشرك ، أى ابنياه على رسم ألا يكون فيه ذلك ، كقولك ، أدر جيب القميص ، وأطل القلم ، أى جىء بهذه الصفة من أول ، أو أخلصاه ﴿ لِلطَّائِفِينَ ﴾ حوله ، لا يعطلون عن الطواف ، ولا يكون عنده من ليس أهلا للطواف ، كالمشرك ، وذلك على عمومه ، وقال ابن جبير ، الغرباء الوافدون حجاجا وزوارا ﴿ وَالْعَكِفِينَ ﴾ المقيمين عنده بالتوحيد والطاعة ، وقال عطاء : الجالسون عنده بلا طواف ، وقيل ، المجاورون له من الغرباء ، وقيل ، المعتكفون فيه ﴿ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ جمع ساجد ، والمراد بالركع السجود المصلون ، وذكر الركوع والسجود لأنهما أقرب أحوال المصلى إلى الله تعالى . وقد أتم الله تطهيره من الأوثان ، وكل ما لا يليق بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وأتم به عمارته بالطوف والعبادات ، والصلاة المشتملة على الركوع مقدما ، والسجود بعده على ترتيب لفظ الآية ، لا كصلاة اليهود بلا ركوع ، ولا كصلاة لا سجود فيها ، ولا كصلاة يتقدم سجودها على ركوعها ، كما قيل عن اليهود أيضا ، ولا كصلاة مشركى العرب ، يقولون ، السجود مسبَّة ، فيركعون ولا يسجدون .

افتحه في القارئ · صفحة ١٣٢