سورة البقرة · الآية ١٢٤ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَإِذِ ٱبۡتَلَىٰۤ إِبۡرَٰهِۦمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتࣲ فَأَتَمَّهُنَّۖ قَالَ إِنِّی جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامࣰاۖ قَالَ وَمِن ذُرِّیَّتِیۖ قَالَ لَا یَنَالُ عَهۡدِی ٱلظَّٰلِمِینَ١٢٤
الرسم الإملائيّ

وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ

الجزء ١الربع ٨ صفحة ١٩

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 124]

﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ ً ﴾ اختبره بأوامر ونواهٍ ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ قام بهنَّ حقَّ القيام ، وأدَّاهنَّ حقَّ التأدية من غير تفريط ولا تقصير ونحوه : ( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) ، خلاف الذين قال فيهم : ( فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) ، وقال : ( وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ) . ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما ﴾ لأن كلَّ من ابتلاه الله بشيء من دينه فأتمه وقام به حقَّ القيام ولم يضيعه ، ولا ضيع شيئا فرضه الله عليه فواجب أن يؤتَّم به ، لأنه سالك طريق الحقِّ ، فواجب أن تقتفي منه أقواله وأحواله ويكون إماما وحجَّة لمن اتبعه وحجَّة على من خالفه ، وطوبى لمن كان إماما للمتقين ، يسمو عليهم بالمسارعة والمسابقة إلى الخيرات كما قال : ( وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَام ) ؛ وهذا هو الجاه الحقيقيُّ ، إذ أمر الله تعالى كافَّة الخلق من الجنَّ والأنس أن يذعنوا وينقادوا إلى طاعته ، ومن خالفه ظَاهَره الله وملائكته وأهل طاعته عليه ، وأين يكون الجاه الوهميِّ مع هذا .

﴿ قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ أي لا يرتقي إلى هذه الدرجة الفاضلة من هو ظالم لنفسه ، لأن من كان ظالما لنفسه لكان لغيرها أظلم ، وكيف يجوز نصب الظـالم للإمامة والإمام إنَّما هو لكشف الظلمـة .

افتحه في القارئ · صفحة ١٣١

[سورة البقرة — آية 124]

قوله : ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أي : عمل بهن . وقال بعضهم : فأكملهن ووفّى بهن ، وهو واحد .

ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول : هي المناسك .

وكان الحسن يقول : ابتلاه الله بأمور فصبر عليها؛ ابتلاه الله بالكوكب والقمر والشمس فحبس نفسه في ذلك ، وعلم أن الله دائم لا يزول ، فوجَّه وجهه للذي فطر السماوات والأرض . ثم ابتلاه بالنار فصبر على ذلك . ثم ابتلاه بالهجرة ، فخرج من بلاده ومن عند قومه حتى لحق بالشام مهاجراً إلى الله . ثم ابتلاه بذبح ابنه فصبر . وابتلاه بالختان على كبر سنه فصبر على ذلك كله . ذكروا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « اختتن إبراهيم بعدما أتى عليه ثمانون سنة بالقدوم » .

وتفسير الكلبي أنها العشر خصال : خمسة في الرأس وخمسة في الجسد . فأما اللواتي في الرأس : فالمضمضة والاستنشاق وقصّ الشارب والسواك وفرق الرأس . وأما اللواتي في الجسد : فالاختتان وحلق العانة ونتف الابطين وتقليم الأظافر والاستنجاء .

وقال بعضهم : ابتلي إبراهيم بعشرة أشياء ، هن في الإِنسان سنة : الاستنشاق ، وقص الشارب ، والسواك ، ونتف الإِبطين ، وتقليم الأظفار ، وغسل البراجم ، والختان ، وحلق العانة ، وغسل الدبر والفرج .

قال الكلبي : فلما فعلهن سأل ربه كلمات فأعطاهن إياه . منهن قوله : ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ﴾ [ البقرة : 128-129 ] ففعل الله ذلك ، ثم زاده ما لم يسأل .

﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ ﴾ يا إبراهيم ﴿ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ يقتدون بك فيهتدون بهداك وبسنتك . فأعجب ذلك إبراهيم ف ﴿ قَالَ ﴾ صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ وفي الآية إضمار . يقول : يا رب ومن ذريتي فاجعل إماماً ، أي من كان من ذريتي ، فأجابه ربه ف ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ وفي الآية إضمار فتفهموها فإنها تقضي بين الخلائق . أي لا ينال عهدي الظالمين من ذريتك ، أي : لا أجعلهم أئمة يقتدى بهم في ظلمهم .

وقال مجاهد : وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات هو قوله : ﴿ إِني جاعلك للناس إِماماً ﴾ والمقام والآيات التي في المناسك .

وقال بعضهم : ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ أي : ينقطع عهدهم في الآخرة . والتأويل ما وصف أولاً .

وقال مجاهد : لا عهد لظالم في ظلم يأمرك به أن تطيعه فيه . وقول مجاهد : عدل صحيح .

وقال بعضهم : ذلك يوم القيامة عند الله لا ينال عهدَه ظالم . فأما في الدنيا فقد نالوا عهد الله؛ يعني بذلك المنافقين؛ قال : فوارثونا بالعهد الذي أقرّوا به للمسلمين وغازوهم به وناكحوهم به : فإذا كان يوم القيامة قصر الله عهده وكرامته على أوليائه وأهل طاعته الذين أوفوا بعهده ، وأكملوا فرائضه . وهو كقوله : ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ [ البقرة : 40 ] فالوفاء بعهد الله إكمال فرائضه وإتمام شرائعه والوفاء بعهدهم أن يدخلهم الجنة إذا فعلوا ذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ١٣١

[سورة البقرة — آية 124]

﴿ وَإِذِ ابْتَلَى ﴾ اذكروا يا بنى إسرائيل ، أو اذكر يا محمد إذ ابتلى ، أو متعلق يقال بعد ، إو بكان كذا وكذا ، فحذف أى ، كلف حقيقة ، أو اختبر مجازا لعلاقة اللزوم ، فإن التكليف وهو الأمر والنهى ، أو إلزام ما فيه المشقة يستلزم الاختبار بالنسبة لمن يجهل العواقب ، تعالى الله . ومعنى تكليفه أنه قدر له ذلكن وقضى أ ، يجرى له ، فلا يشكل بما كان من الكلمات قبل بلوغه ﴿ إِبْرَاهِمَ ﴾ إب راهيم ، أى رحيم وذلك ، لغتهم السريانية ، تشبه العربية ، قال السهيلى : كثيراً ما يقع الاتفاق أو التقارب بين السريانى والعربى ، ألا يرى أن إبراهيم تفسيره أب ريحم لرحمة بالأطفال ، ولذلك جعل هو وزوجه كافلين لأطفال المؤمنين الذين يموتون صغاراً إلى يوم القيامة ، إبراهيم بن تارخ بن آزر ، أو إبراهيم بن آزر ، وهو الصحيح ، بل تارخ هو آزر بن ناخور بن شارخ بن أرغو بن قالغ بن عابر ابن شالح بن قينان بن أرفجشد بن سام بن نوح ، ويقال : قينان ساحر ، فأسقطوه ﴿ رَبُّهُ بِكَلِمَتٍ ﴾ أى معان ، تسمية للمدلول باسم الدال ، المضمضة والاستنشاق والسواك ، وقص الشارب ، وفرق شعر الرأس إلى الجانبين ، إذا طال أربعة أصابع عرضا ، وقلم الأظفار ، ونتف الإبطين ، وحلق العانة ، والختان ، قيل : ختن نفسه وهو ابن مائة وعشرين سنة ، والاستنجاء بالماء ، وأما بالحجارة قبله فلهذه الأمة خاصة والتوبة والعبادة والحمد والسياحة ، والركوع والسجود والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وحفظ حدود الله ، والصلاة والخشوع وترك اللغو والزكاة وحفظ الفروج ، وحفظ الأمانة ، وحفظ العهد والمحافظة على الصلاة والإيمان والقنوت والصدقة . والصوم ، وكثرة ذكر الله ، ومداومة الصلاة وإعطاء السائل والمحروم والتصديق بيوم الدين ، والاشفاق من العذاب ، والقيام بالشهادة وقربان الأزواج وقربان المملوكات ، وإعفاء اللحية ، والإحرام والوقوف بعرفة ، والمبيت بالمزدلفة والرمى ، والذبح ، والحلق ، والطواف ، والسعى ، والنظر فى الكواكب والقمر والشمس فيحصل الحجة ، وذبح الولد ، والتسليم للوقع فى نار نمروذ ، وسائر الأوامر والنواهى ، والهجرة بدينه من العراق للكفر فيه إلى حران ، ثم إلى الشام ليجد الوصول إلى دينه ، صبر على ذلك كله ، كما قال الله جل وعلا ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أتى بهن تامات ، كما قال ، وإبراهيم الذى وفى ﴿ قَالَ إِنَّى جَاعِلُكَ لِلناسِ إِمَاماً ﴾ قدورة فى الدين إلى يوم القيامة ، ولا نبى بعده إلا من ذريته ، مأموراً باتباعه فى الجملة ، وهو إمام لكل نبى بعده ، وكل نبى إمام لمن بعده من العامة والأنبياء ، وذلك فى الأصول ومكارم الأخرق ، وهو محبوب فى جميع الملل . وعن مجاهد ، الكلمات هى ، إنى جاعلك . . . إلى آخر القصة ، والإمام كل ما يؤثم به ، كما قيل لخيط البناء إمام ، لأنه يقتدى به فى البناء ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتَى ﴾ أى واجعل أئمة أنبياء ، وقيل ، أو غير أنبياء ، من ذريتى ، أو أئمة من ذريتى عطفا على محل النصب للكاف ، وكأنه قيل ، وجاعل من ذريتى أئمة ، وللكاف محل جر بالإضافة ، ومحل نصب على المفعولية ، لأن جاعل اسم فاعل للاستقبال ، وهو من زيادة السامع إلى كلام المخاطب ، كقول الصحابة والمقصرين بعد قوله صلى الله عليه وسلم ،

« اللهم ارحم المحلقين » ، ويقول القائل ، جاء زيد ، فتقول ، راكباً وكما قال العباس ، إلا الإذخر ، بعد تحريم النبى صلى الله عليه وسلم شجر مكة وكلأها ، والذرية تشمل الأنثى ، كما أن عيسى هو ابن مريم ، ومريمن من ذريته ، والياء مشددة زائدة فوزته فُعْلية ، بضم فإسكان ، وباؤه فى الأصل للنسب ، والأصح فتح أوله وضمه ، كما قيل ، دهرى بضم الدال فى النسب إلى دهر بفتحها ، أو الياء الثانية عن راء ، قلبت ياء ، لئلا تجتمع ثلاث راءات ، وأدغمت فيها الياء ، والأصل ذريرة ، بضم الذال وشد الراء الأولى مكسورة ، أو ذرُّورة بالواو ، وكل ذلك من الذر بمعنى الخلق فالرء الثانية زائدة ، والأصل ذريته ، أو ذروية ، قلبت الهمزة ياء وأدغمت الياء فى الياء الأولى . وقلبت الواو ياء فى الثانى ، وأدغمت الياء فى الياء ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ ﴾ لا يصيب ﴿ عَهْدِى ﴾ معهودى إليك وأمانتى ، وهو الإمامة ، تسمى الأمانة عهداً ، لأنها تعاهد بالحفظ ﴿ الظَّلِمِينَ ﴾ من ذريتك ، وهذا إجابة إدعائه ، أن يجعل من ذريته أئمة ، ولكنه استثنى الظالمين بفسق أو بشرك ، فأيما فاسق أو مشرك تصدر فليس بإمام أو خليفة أو حاكم ، بل غاصب ، ولا يصلح للإمامة ، وهى أمانة الله ، من يخون ، ولا ينفذ حكم الفاسق ، وناصبه ظالم ، من استرعى الذئب الغنم ظلم ، وعن الحسن ، أن الله تعالى لم يجعل للظالم عهداً ، فلا يوفى له بشأن إمامته إذا أحدث ظلماً ، فالعدل كما شرط فى البدء شرط فى البقاء ، وإن نصب بعد توبته جاز ، كما كان أبو بكر وعمر خليفتين بعد إسلامهما من شرك .

افتحه في القارئ · صفحة ١٣١