سورة البقرة · الآية ١٥ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
ٱللَّهُ یَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَیَمُدُّهُمۡ فِی طُغۡیَٰنِهِمۡ یَعۡمَهُونَ١٥
الرسم الإملائيّ

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ

الجزء ١الربع ١ صفحة ٣

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 15]

، ﴿ اللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ ﴾ أي يجازيهم على استهزائهم ، فسمي جـزاء الاستهزاء باسمه ، كقوله : ﴿ وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ ، ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ ﴾ فسمَّي جزاء السيئة سِّيئة ، وجزاء الاعتداء اعتداء ، وإن لم يكن الجزاء سيئِّة والاعتداء ؛ وهذا لأن الاستهزاء على الله تعالى لا يجوز من حيث الحقيقة ، لأنه من باب العبث وتعالى عنه ، ويجوز في المعنى استهزاؤه بهم خذلانُه لهم ، وترك نصرته إياهم ، كما تركوا دينه ، ولم يحتلفوا به ، على المعنى المقابلة والمجازاة ، لأنهم إذا تركوا دينه فقد اتخذوه هزُؤاً ، ولم يستهزئوا بألسنتهم ؛ وقيل : معناه إهانتهم لأن المستهزئ غرضه بالشيء غرضه إدخال الهوان والحقارة عليه . ﴿ وَيَمُدُّهُمْ ﴾ يمهلهم ﴿ فِي طُغْيَانِهِمْ ﴾ في غلَّوهم وكفرهم ﴿يعْمَهُونَ ﴾ أي : يعمهون ويترَّددون ، والعَمة محرَّك تردُّدٌ في الضـلال ، والتحيُّر في منازعةٍ أو طريق لا يعرف الحجَّة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢

[سورة البقرة — آية 15]

قال تعالى : ﴿ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ ﴾ يعني الكفار في تفسير الحسن . وفي تفسير غيره من أصحابنا : إلى كبرائهم وقادتهم في الشر ﴿ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ﴾ بمحمد وأصحابه . وتفسير الاستهزاء في هذا الموضع : إنما نحن مخادعون محمداً وأصحابه . يقول الله : ﴿ الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ ﴾ أي الله يخدعهم بمخادعتهم رسولَه . وقال في سورة النساء : ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ [ النساء : 142 ] .

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « يُجاء بالمستهزئين يوم القيامة فيُفتح لهم باب من الجنة ، فيُدعون ليدخلوها ، فيجيئون ليدخلوها ، فإذا بلغوا الباب أُغلِق دونهم فيرجعون . ثم يُدعون ليدخلوها ، فإذا بلغوا الباب أُغلِق دونهم فيرجعون . ثم يدعون ، حتى أنهم ليُدعَوْن فما يجيئون من الإِياس » .

وهذه الرواية عن الحسن تحقِّق ما تأوَّلنا عليه هذه الآية أن الاستهزاء في هذا الموضع هو الخداع؛ يخدعهم الله في الآخرة كما خدعوا النبي عليه السلام والمؤمنين في الدنيا؛ وهو قوله : ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢

[سورة البقرة — آية 15]

﴿ اللهُ يَسْتَهْزِىُ بِهِمْ ﴾ يجازيهم على استهزائهم مرة بعد أخرى ، فإن نكاية الله فيهم متعددة فى الدنيا ، ولا تنقطع فى الأخرة فذلك استعارة تبعية ، أو مجاز مرسل ، لأن بين الفعل وجزأيه مشابهة فى القدر ، ونوع تسبب مع وجود المشاكلة أو يراد إنزال الحقارة من إطلاق السبب على المسبب ، ومن الاستهزاء بهم فى الآخرة ، أنه يفتح باب إلى الجنة فيجىء فى قربه ، حتى إذا وصله أغلق ، أو يكرر ذلك حتى يفتح له ، ولا يجئه كما ورد فى الحديث ( وَيَمُدُّهُمْ ) بطيل أعمارهم ، أو يزيدهم طغيانا ( فِى طُغْيَنِهِمْ ) مجاوزتهم الحد بالكفر ( يَعْمَهُونَ ) يترددون ، هل يبقون عليه أو يتركونه ، أو هل يعكفون فيه ويلازمونه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢