سورة البقرة · الآية ١٦ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
أُو۟لَٰۤئِكَ ٱلَّذِینَ ٱشۡتَرَوُا۟ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ فَمَا رَبِحَت تِّجَٰرَتُهُمۡ وَمَا كَانُوا۟ مُهۡتَدِینَ١٦
الرسم الإملائيّ

أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

الجزء ١الربع ١ صفحة ٣

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 16]

﴿ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى ﴾ أي استبدلوها به ، واختاروها عليه ، وفيه دليل على جواز البيع تعاطياً ، لأنهم لم يتلفظوا بلفظ الشراء ، ولكن تركوا الهدى بالضلالة عن اختيار ، وسمَّي ذلك شراء ، فصار دليلاً على أن من أخذ شيئاً من غيره وترك عوضه برضاه فقد اشتراه وإن لم يتكلم به . وضلالةٌ : الجور عن القصد ، [و] فقدُ الاهتداء ، يقال : ضلَّ منزله ، واستعير للذهاب عن الصواب في الدين ، ﴿ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ ﴾ الربح الفضل على رأس المال ، والتجارة صناعة التاجر ، وهو الذي يبيع ويشتري للربح ، ﴿ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ لطريق التجارة ، كما يكون التجَّار المتصَّرفون العالِمون بما يُرشَّح بربحٍ فيه ويخسروا ، والمعنى أن مطلوب التجَّار سلامة رأس المال والربح ، وهؤلاء قد أضاعوها ، فرأس مالهم الهدى ، ولم يبق لهم مع الضـلالة ، وإذا لم تبق لهم إلاَّ الضـلالة لم يوصفوا بإصابة الربح وإن ظفروا بالأعراض الدنيوية ، لأن الضَّال خاسرٌ ، ولأنه لا يقال لمن لم يسلم له رأس ماله : قد ربح .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٣

[سورة البقرة — آية 16]

قوله : ﴿ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ . قال بعضهم : في ضلالهم يلعبون . وقال بعضهم : في ضلالتهم يتمادون .

قوله : ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى ﴾ يعني اختاروا الضلالة على الهدى . وقال بعضهم : استحبّوا الضلالة على الهدى . قال الله : ﴿ فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٣

[سورة البقرة — آية 16]

﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلَلَةَ بِالْهُدَى ﴾ تركوا الهدى الذى فى وسعهم وطاقتهم ، جعل الهدى الذى لم يوجد لهم كالموجود لأنه فى طاقتهم ويولدون عليه ، ولظهور حججه حتى كأنهم قبلوه ، وجعل الإعراض عنه والتلبس بضده الذى لا يجتمع معه كالشراء ، فسماه شراء ، الإشارة إلى المنافقين المذكورين فى تلك الآيات بتلك الأوصاف ، لا إلى أهل الكتاب كما قيل ، ولا إلى الكفار مطلقاً كما قيل؛ لأن التنزيل فى غيرهم لا فيهم ولو وجد المعنى فيهم ، فضلاعن أن تفسر بهم ﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَرَتُهُمْ ﴾ انتفى عنهم الريح فى تجارتهم المعهودة ، التى هى شراء الضلالة بالهدى ، بل خسروا أبدانهم وأوقاتهم وأموالهم ، إذ لم ينالوا بها الجنة ، وأضاعوا منازلهم وأزواجهم فى الجنة ، وصاروا للنار بتلك الضلالة ، والهدى هنا اسم مصدر بمعنى الاهتداء أو اسم للمعنى الحاصل من الهداية ، كأنه قيل ، اشتروا الضلالة بالاستقامة . وإسناد الربح إلى التجارة إسناد إلى السبب؛ أو الملزوم ، أو المحل ﴿ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ إلى طريق التجر والربح ، إذ أضاعوا رأس المال والربح ، والآية كناية عن انتقاء مقصد المتجر وهو الربح مع حصول ضده ، وهو الخسارة ، وذلك شأن الدين ، إما لربح أو الخسارة ، بخلاف تجارة المال مقد لا تربح ولا تخسر ، أو كناية عن إضاعة رأس المال ، فإن من لم يهتد بطريق التجر تكثر الآفات على ماله ، أو المراد أنهم لم يتجروا فلا ربح ، كقوله : على لاحب لا يهتدى بمناره ، أى لا منار فيه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٣