وَمِنۡ حَیۡثُ خَرَجۡتَ فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ وَحَیۡثُ مَا كُنتُمۡ فَوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ شَطۡرَهُۥ لِئَلَّا یَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَیۡكُمۡ حُجَّةٌ إِلَّا ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مِنۡهُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِی وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِی عَلَیۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ١٥٠
الرسم الإملائيّ
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
الجزء ٢الربع ٩ صفحة ٢٣
تفسيرها
﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾ أي لا تكون حجَّة المبطل على محقِّ في شيء ، بل الحُجَّة التامة له على جميع من خالفه ؛ ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ﴾ قيل : والذين ظلموا من الناس فلا يكونون عليكم حجَّة و " إلاَّ " هنا بمعنى الواو ؛ وقيل : (إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ ) فهم مشركو مكة أنهم قالوا لمَّا صرف قبلتهم إلى الكعبة : أن محمداً قد تحيَّر في دينه فلا تتبَّعوه ، والله أعلم بتأويل كتابه ؛ ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ ويحتمل : ( والذين ظلموا منهم فلا تخشوهم ) فلا تخافوا مطاعَنتهم في دينكم فإنهم لا يضُّرونكم ، ﴿ وَاخْشَوْنِي ﴾ فلا تخالفوا أمري ، ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ﴾ بهدايتي إياكم حتى أزحزحكم عن النار وأدخلكم الجنة التي هي دار القرار ، وهو تمام النعمة ، ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ ولكي تهتدوا إلى الحقِّ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٥٧
قوله : ﴿ وَلِكُلٍّ وَجْهَةٌ ﴾ أي ولكل قوم وجهة وشريعة ﴿ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾ أي : الله موليها ، مثل قوله : ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً ﴾ [ المائدة : 48 ] أي سبيلاً وسنة ، والدين واحد وإن اختلفت الشرائع والأحكام . وقال مجاهد : ولكل صاحب ملّة وجهة هو مستقبلها . وقال بعضهم : ولكل قبلة هو مستقبلها .
قوله : ﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ ﴾ قال بعض المفسرين : لا تُغْبَنُنَّ عَن قبلتكم ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعاً إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ . ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ ﴾ . قوله : ﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ﴾ كقوله : ﴿ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ﴾ [ سورة محمد : 13 ] أي أهلها ، يعني أهل مكة ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ أي تلقاءه ﴿ لِئَلاَّ ﴾ أي لكيلا ﴿ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾ .
قال بعض المفسّرين : إن أهل الكتاب قالوا حين صرف النبي إلى الكعبة : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه . قال : ﴿ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ يعني مشركي العرب في تفسير الحسن . وقال مجاهد : مشركي قريش .
قال الحسن : أخبره أنه لا يحوّله عن الكعبة إلى غيرها أبداً ، فيحتج عليك محتجون بالظلم كما احتج عليك مشركو العرب من قولهم لك : رغبت عن قبلة أبائك ثم رجعت إليها ، وأيضاً والله لترجعن إلى دينهم؛ فقال الله : ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ . أي لا يحتج بمثل تلك الحجة إلا الذين ظلموا .
وقال بعضهم : هم مشركو قريش يقولون : إنهم سيحتجون عليك بذلك وكانت حجتهم عليهم بانصرافه إلى البيت الحرام أنهم قالوا : سيرجع إلى ديننا كم رجع إلى قبلتنا؛ فأنزل الله في ذلك هذا كله .
قال : ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ في أمر الله ، أي امضوا على ما أكرمكم به . ﴿ وَاخْشَوْنِي ﴾ أي في تركه . ﴿ وَلأُِتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ أي : لكي تهتدوا . ويعني بالنعمة الجنة .
افتحه في القارئ · صفحة ١٥٧
﴿ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الشطر فى الأصل ما انفصل عن الشىء ، إما حسا ، كدار شطور أى منفصلة عن الدور ، أو معنى ، كقولنا الإقرار شطر التوحيد ، واستعماله فى الجزء شائع ، واستعمل لجانب الشىء ولو لم ينفصل ، وبمعنى الجهة فى الآية ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ والعطفان على لكل وجهة ، أو على قد نرى تقلب وجهك فى السماء ، ذكر ذلك ثلاث مرات ، كل لعلة غير علة الأخرى ، ذكره المرة الأولى ليريه أنه قد أجاب له فيما يشتاق إليه ورحم تضرعه ، وأنه أهل لأن يجاب لعظم شأنه عند الله عز وجل ، كما قال الله عز وجل ﴿ قد ترى تقلُّب وجهك ﴾ وذكره المرة الثانية ليبين أنه جعل لكل أمة قبلة تمتاز بها ، إذ قال ﴿ ولكلٍّ وجهة ﴾ أى لكل أمة ، وذكره المرة الثالثة ليدفع حجة اليهود ، إذ يجتمعون بأنه لو كان النبى الموعود به لتحول إلى الكعبة كما فى التوراة ، وأنه لو كان لم يتبع قبلنا مع أنه ينكر ديننا ، ولدفع حجة مشركى العرب ، إذ يتحتجون بأنه لو كان نبيّاً لم يخالف قبلة إبراهيم مع أنه يدعيها ، كما قال بعد قوله ﴿ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ ﴾ اليهود ومشركى العرب ﴿ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ ﴾ ولأتم نعمتى ، أن عطف على لئلا . . . الخ ، وأما قوله عز وجل ﴿ وما جعلنا القبلة التى كنت عليها ﴾ أى الكعبة التى كنت عليها ، فبان أن الجعل معلل بالعلمن لا بقيد كونه تعظيما للرسول صلى الله عليه وسلم ولا بغيره ، وناسب التكرار أن الكعبة لها شأن ، والنسخ من مظان الطعن ، والمخالفة فى النسخ بدعوى إلزام البداء ، وهو غير جائز ، وهى مخالفة باطلة ، لأن النسخ إزالة حكم قضى فى الأزل أنه يزال ، لا ظهور لما خفى ، تعالى الله ، وقيل : الأولى على أن الإنسان فى المسجد الحرام ، والثانية على أن يخرج من المسجد الحرام ويكون فى البلد ، والثالثة على أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض ، وفيه أن الخطاب أولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فى المدينة ، فكيف تكون الأولى لمن فى المسجد الحرام ﴿ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ بالعناد ﴿ مِنْهُمْ ﴾ من الناس المعهودين ، أى إلا المعاندين من اليهود ، إذ قالوا : تحول للكعبة ميلاً لدين قومه وحبّاً لبلده ، ومشركى العرب إذ قالوا : رجع لقبلة آبائه ، ويوشك أن يرجع إلى دينهم ، وأنه فى حيرة من أمر القبلة ، ومن لم يعاند قال : يدعى ملة إبراهيم ويوافق قبلته ، والحجة ما يستدل به صحيحاً فى نفسه أو فى زعم المستدل ، ولا حجة صحيحة لمن خالف كلام الله ، لكن تسمى حجة ، كأنها صحيحة ، لشبهها بها فى إحضارها لإثبات المقصود ، أو المراد التحاج أى الخصام ، أو الاستثناء منقطع ، أى لكن الذين ظلموا ، من تأكيد الشىء بضده ، أى إن كانت لكم حجة هى فهى الظلم ، والظلم لا يكون حجة ، فحجتهم غير ممكنة ، كقوله :
وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ … بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ
فأخذ منه بعض قوله :
وَلاَ عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَن نَزِيلَهُمْ … يُلاَمُ بِنِسْيَانِ الأَحِبَّةِ وَالْوَطَنْ
فالمعنى المبالغة بأنه إن كانت الحجة فى نفى الحق فهى كلام المعاندي ، وكلامهم غير حجة ، فلا حجة فى نفى الحق ، وهو هنا استقبال الكعبة ﴿ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ ﴾ أى الظالمين ، وقيل : الناس عموما ، والأول أولى ، لاثخافرهم فى الجدال فى التولى إلى الكعبة فإنه يضمحل ، وضرره عائد عليهم ، وسمى خوفهم خشية مع أنه إن خوفهم المؤمنون لا إجلال فيها ، مشاكلة لقوله تعالى ﴿ وَاخْشُونِى ﴾ أى خافونى مع إجلال ﴿ وَلأُتِمَّ ﴾ لئلا يكون ولأتم ﴿ نِعْمَتِى عَلَيْكُمء ﴾ وفى ذلك عدم المناسبة إلا بتكليف ، وأيضاً إرادة الاهتداء علة تصلح للأمر بالتولية ، لا الفعل المأمور به ، والأولى أن يقدر ، وأمرتكم بالتولية للكعبة لأتم نعمتى ، لأنها نعمة عظيمة تورث فوزاً عظيما ، ونعيما مقيما ، أو اخشونى لأحفظكم من شرهم فى الدنيا ، ولأتم نعمتى عليكم فى الدنيا والآخرة بكونكم على الحق وبإدخال الجنة .
وروى البخارى والترمذى أن تمام النعمة دخول الجنة ، وعن علىّ : الموت على الإسلام ، قلت : أو الهدى إلى معالم الدين والإقامة عليها إلى الموت ، والنعمة فى كل وقت ، وتمامها بما يليق به ، فلا يعارض بما جاء بعد من قوله تعالى ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم ﴾ ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ قد مر ، ومن معانيه : ولتهتدوا .
افتحه في القارئ · صفحة ١٥٧