سورة البقرة · الآية ١٩٤ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَٰتُ قِصَاصࣱۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡ فَٱعۡتَدُوا۟ عَلَیۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ١٩٤
الرسم الإملائيّ

الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ

الجزء ٢الربع ١٢ صفحة ٣٠

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 194]

﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ أي : وهذا الشهر بذاك الشهر وهتكه بهتكه ، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم ، ﴿ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ أي : كلّ حرمه يُجزِي يُجزِي فيها القصاص ، من هتك حرمة – أيَّ حرمه كانت – اقتُصَّ منه بأنَّ تهتك له حُرمَةٌ ، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ؛ وأكَّد ذلك بقوله ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ أي : بعقوبة مماثلة لعداوتهم . ﴿ وَاتَّقُواْ اللّهَ ﴾ في ما حدَّه وفرضه وبيَّنه ، ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ بالنصر والتوفيق .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٠١

[سورة البقرة — آية 194]

قوله : ﴿ الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالحُرُمَاتُ قِصَاصٌ ﴾ . ذكروا عن مجاهد أنه قال : كان المشركون صدُّوا النبي عليه السلام عام الحديبية ، وفخروا عليه بذلك؛ فصالحهم على أن يرجع من العام المقبل في ذلك الشهر ، فيدخل مكة ، فيقيم فيها ثلاثة أيام . وكان ذلك في ذي القعدة . فأدخله الله من العام المقبل مكة واقتصّ له منهم . وهو قوله : ﴿ الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ ﴾ .

وقال الحسن : إن استحللتم منا القتال في الشهر الحرام استحللناه منكم ، فإن الحرمات قصاص . وكان ذلك قبل أن يؤمر بقتالهم كافة .

قال : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ فاستحلَّ منكم القتال ﴿ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ أي : فاستحلوا منه . وتأويل الاعتداء هنا هو المجاوزة . يقول : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ . أي جاوز إليكم ما كان يحرمه منكم ﴿ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ . أي فجاوزوا ما كنتم تحرّمون منه .

وقال الكلبي : قوله : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ قال : لما قدم النبي صلىالله عليه وسلم مكة من العام المقبل لما كان صالحهم عليه من دخولها ويقيم فيها ثلاثة أيام ، فقدم مكة وخرجت قريش كهيئة البزاء ، فخاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يفي لهم المشركون ، فقال الله : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ يقول : إن قاتلوكم دون البيت فقاتلوهم .

وقال السدي : إن اعتدوا عليكم فقاتلوكم في ذلك العهد فقاتلوهم .

وقال بعضهم : أقبل نبي الله وأصحابه فاعتمروا في ذي القعدة ومعهم الهدي حتى إذا كانوا بالحديبية صدّهم المشركون . فصالحهم نبي الله أن يرجع عامه ذلك حتى يرجع من العام المقبل ، فيكون بمكة ثلاثة أيام وثلاث ليال ، ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب ، ولا يخرج بأحد من مكة . فنحروا الهدي بالحديبية ، وحلقوا وقصّروا . فأقصّه الله منهم ، فأدخله مكة في ذلك الشهر الذي كان ردوه فيه في ذي القعدة ، فقال : ﴿ الشَّهْرُ الحَرَامُ بِالشَّهْرِ الحَرَامِ ﴾ . . . إلى آخر الآية . قال : ﴿ وَاتَّقُوا الله وَاعْلَمُوا أَنَّ الله مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٠١

[سورة البقرة — آية 194]

﴿ وَقَتِلُوهُمْ ﴾ عند المسجد الحرام وغيره ، بدأوكم أو لم يبدأوكم ﴿ حَتَّى ﴾ إلى أو كى ﴿ لاَ تَكُونَ ﴾ تثبت ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ ى شرك وصد وقتل منهم ، ولا تقبل جزية ، لأن الكلام فى شرك العرب فى الحرمين ، وما يليهما ، وليسوا أهل كتاب ولا مجوسا ﴿ وَيَكُونَ الدِّينُ ﴾ كله كما فى الأنفال ولم يذكره هنا لأن الكلام هنا فى أهل مكة والدين العبادة والتوحيد والاعتقادات والأمور التى هى صواب وحق يحكم بها ويؤمر بها وتتخذ دينا ﴿ لِلَّهِ ﴾ لا يعبد سواه ولا يعتبر شرع غيره من الأديان الباطلة ولا تعتقد الألوهية لغيره ﴿ فَإِنِ انْتَهَوُاْ ﴾ عن الشرك والقتال والصد فانتهوا عن قتالهم ، أو فلا عدوان عليهم كما قال ﴿ فَلاَ عُدْوَنَ ﴾ أى لأنه لا عدوان ﴿ إِلاَّ عَلَى الظَّلِمِينَ ﴾ بالشرك والحرب والصد غير المنتهين عن ذاك . والمنتهى ليس ظالما ، والعدوان البغض والقصد بسوء كالقتل والسبى والغنم ، ولا يقال العدوان الظلم ، والاعتداء معبراً به عن الجزاء عليهما للمشاكلة لأنا نقول غير الظالم لا تسمى الإساءة إليه جزاء أيضا ، وفى قولنا المعنى لا تفعلوا ما هو فى صورة الظلم مجازاة بمثله إلا على الظالمين تكلف ، وعلل قولة واقتلوهم حيث ثقفتموهم تعليلا جميليا بقوله :

﴿ الشَّهْرُ الْحَرَامُ ﴾ ذو القعدة من السنة عند عمرة القضاء قال الله لا تكرهوا قتالهم فى الشهر الحرام فإنه مقابل قتالهم وصدهم لكم عام الحديبية ، فإن منعوكم فى عمرة القضاء فقاتلوهم هتكا لحرمتهم كما هتكوها لكم فى الحديبية ﴿ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ ﴾ ذى القعدة من السنة السادسة فى الحديبية ، قاتلهم المشركون فيها ببعض سهام وحجارة كما روى عن ابن عباس ، وما فى البخارى من أنه لم يقع قتال فى الحديبية ، معناه لم يقع قتال كبير ، وعن ابن عباس ، رمى المسلمون المشركين فى عمرة الفضاء حتى أدخلوهم ديارهم ، وقيل لم يقع القتال فى ذى القعدة وإنما هو ما يراد عند الثانى ﴿ وَالْحُرُمَتُ ﴾ جمع حرمة ما يجب احترامه وحفظه ، وهذا احتجاج لجواز هتك حرمة الشهر بهتكهم إياه فى الحديبية ولله أن يهتك ما شاء ﴿ قِصَاصٌ ﴾ أى شأن الحرمات قصاص ، أو الحرمات ذوات قصاص ، كأنه قيل الشهر الحرام من الحرمة والحرمة يجرى فيها القصاص فى الجملة ، نفساً أو عرضاً أو مالا ، والشهر الحرام مما أراد الله فيه القصاص بالقتال ، وأما ما يقال الشهر الحرام من الحرمة ، وكل حرمة يجرى فيها القصاص فالشهر الحرام فيه القصاص فلا ، لأنه لا يثبت أن كل حرمة فيها قصاص ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ فى عمره القضاء بالمنع عنها أو بالقتال فى الحرام أو الإحرام أو الشهر الحرام ﴿ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ ﴾ جازوه عن اعتدائه ، سمى فعلهم باسم الفعل الأول للشبه ولعلاقة الجوار وباسم الملزوم وباسم السبب ، وكذا فى سائر اعتبار المشاكلة ﴿ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ بالدخول فى مكة ، ولو كرهوا كما منعوكم منها فى العام الأول ، وقاتلوهم على المنع ، ولو لم يقاتلوا فيه ، بل اقتصروا على المنع ، كا تقاتلوهم إن قاتلا ، ولا تزيدوا بأن تقاتلوهم ولم يقاتلوكم ولم يمنعوكم ، أو بأن تقاتلوا من لم يقاتل ، عمم الشافعى القتل بمثل ما قتل به محتجّاً بالآية كقتل بمحدد وخنق وحرق وتجويع وتغريق حتى لو أغرقه فى عذب لم يغرق فى ملح ﴿ وَاتَّقُواْ اللهَ ﴾ احذروا عقابه على المبالغة فى الانتقام وعلى الاعتداء الحقيقى الذى هو فعل ما لا يجوز ، أو اتقوا الله فى الانتصار لأنفسكم بما لا يجوز وترك الاعتذار بما لا يجوز ﴿ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ بالعون فى أمر الدين والدنيا وبالنصر وإصلاح الشأن والحفظ ، والاتقاء اتقاء المعاصى إجلالا لله ، واتقاؤها خوفاً من عقابها واتقاء الله أيضاً إجلاله .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٠١