سورة البقرة · الآية ١٩٨ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
لَیۡسَ عَلَیۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُوا۟ فَضۡلࣰا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَاۤ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتࣲ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ١٩٨
الرسم الإملائيّ

لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ

الجزء ٢الربع ١٢ صفحة ٣١

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 198]

﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ ﴾ في مواسم الحجَّ ، ﴿ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ عطاء منه وتفضَّلا وهو النفع والربح في التجارة والكراء . ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم ﴾ دفعتم بكثرة وهو من إفاضة الماء وهو صبُه ﴿ مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ ﴾ بالتلبية والتهليل والتكبير أو بصلاة المغرب ، ﴿ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ والمشعر : العَلَم لأنه معلم للعبادة ، ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ أي اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة ، واذكروه كما علَّمكم ، ﴿ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ ﴾ من قبل الهدى ﴿ لَمِنَ الضَّآلِّينَ ﴾ الجاهلين ، لا تعرفون كيف تذكرونه .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٠٥

[سورة البقرة — آية 198]

﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ذكر عن عبيد الله بن أبي يزيد أنه قال : سمعت عبد الله بن الزبير ، وبلغه أن أناساً يأنفون من التجارة في الحج فقال : يقول الله : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ يعني به التجارة في مواسم الحج .

ذكروا عن الحسن أنه كان لا يرى بأساً بالتجارة في الحج ، في الفريضة وغيرها .

قوله : ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ ﴾ . ذكر بعض المفسّرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من عرفات بعد غروب الشمس .

ذكر بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « لا تدفعوا حتى يدفع الإِمام فإنها السنة » .

ذكر عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أفاض من عرفات قال : « يا أيها الناس عليكم بالسكينة ، لا يشغلنّكم رجل عن الله أكبر » .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « كل عرفة موقف ، وارتفعوا عن عرَنَة ، وكل جمع موقف ، وارتفوا عن محسِّر » .

ذكروا أن عمر بن الخطاب أفاض من عرفات وبعيره يجتر ، أي : إنه سار على هيئته .

ذكروا عن ابن عباس أنه قال : عرفة كلها موقف ، وارتفعوا عن عُرَنة .

***********************

ذكروا عن عطاء أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من وقف بعرفات قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج » .

ذكروا عن ابن عباس أنه قال : الحج عرفات ، والعمرة الطواف .

قوله : ﴿ فَاذْكُرُوا الله عِندَ المَشْعَرِ الحَرَامِ ﴾ قال بعض المفسّرين : هي ليلة المزدلفة ، وهي جمع . وإنما سمي جمعاً لأنه يجمع فيه بين المغرب والعشاء .

ذكر أبو الطفيل أن ابن عباس قال : إن جبريل ذهب بإبراهيم إلى جمع فقال : هذا المشعر الحرام .

ذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال : ألا لا صلاة إلا بجمع ، ألا لا صلاة إلا بجمع ، ألا لا صلاة إلا بجمع ، يعني المغرب والعشاء . وذكروا عن الحسن وابن سيرين أنهما قالا : لا يصلي المغرب والعشاء ولو انتصف الليل إلا بجمع .

ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال : إن رسول الله لما صلى الصبح وقف بجمع ، ثم أفاض .

ذكروا أن إبراهيم النبي عليه السلام بات بجمع ، حتى إذا كان من الغد صلّى صلاة المعجلة ، ثم وقف إلى صلاة المصبحة ثم أفاض . ذكروا عن جابر بن عبد الله أنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما طلع الفجر صلى الصبح ، ثم وقف .

وذكروا عن عبد الله بن الزبير أنه قال : رأيت أبا بكر الصديق واقفاً على قزح وهو يقول : يا أيها الناس اصبحوا .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض من جمع قبل طلوع الشمس .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى الصبح ثم وقف عند المشعر الحرام فقال : « قد وقفت هاهنا والمزدلفة كلها موقف » ذكروا عن ابن عباس أنه كان يقول : ما بين الجبلين كله موقف .

قوله : ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ أي : في مناسككم وحجكم ودينكم كله .

***********************

افتحه في القارئ · صفحة ٢٠٥

[سورة البقرة — آية 198]

﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيها المسلمون على الإطلاق ﴿ جُنَاحٌ ﴾ إثم ﴿ أَنْ تَبْتَغُواْ ﴾ فى أن تطلبوا ﴿ فَضْلاً ﴾ رزقاً ﴿ مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ التجارة فى الحد ، وهذا ترخيص ونهى لهم عن تحريم الجر بعد الإحرام ، فإنه لا ينقص ثواباً ولا يحبطه ، والترك أولى ، وهو الموافق لقوله تعالى : ﴿ وأتموا الحج ﴾ وإن كانت التجارة تنقض فرضاً حرمت ، أو متسحبّاً كرهت ، وإذا شوركت العبادة بغيرها قال ابن عبد السلام فلا أجر لها أو أخرويا فبقدره وإن تساويا سقطا ، وعندى أنه يثاب بقدره ولو أقل قليل ، وبه قال ابن حجر ، وكانوا يكرهون التجر أو يحرمونه فى الحج فنزلت الآية مبيحة بلا جدال ولا فسوق فى أسواقكم عكاظ ومجنة وذى المجاز وغيرها ، أسواق تقام فى مواسم الحج ، وعكاظ من التعاكظ وهو التفاخر ، يتفاخرون وتناشدون بين نخلة والطائف عشرين يوماً من أول ذى الحجة ، ومجنة على أميال من مكة ، وذو المجاز على فرسخ من عرفة ، ومنع أبو مسلم التجر فى الحج ، وحمل الآية على ما بعد الفراغ من الحج ، كقوله « فإذا قضيت الصلاة » الخ ، ويرده أن الحمل على إباحة ما توهم حرمته أو كراهته أولى من الحمل على ما علم إباحته ، وهو التجر بعد الفراغ من الحج ، وأما الصلاة فأعمالها متصلة لا يقاس عليها الحج ، لأن أعماله متفرقة ، وكان ابن عباس يقرأ قراءة تفسير ، أن تبتغوا فضلا من ربكم فى مواسم الحج وكذا ابن مسعود ، قال أبو أمامة لابن عمر نكرى الحجاج ، ويقول الناس لا حج لنا ونحن نفعل أفعال الحج كلهم ، فقال سئل صلى الله عليه وسلم عما سألت فنزلت الآية ، فقال أنتم الحجاج أنتم الحجاج ، وتدل على ذلك الفاء فى قوله : ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُمْ ﴾ أفضتم أنفسكم أى دفعتموها دفعا شبيها بإفاضة الإنسان الماء فى الكثرة والسرعة وذلك هو الأصل ، ولو يرد أن غير الكثير وغير المسموع لا يتم ، بل يتم ، أو لا يذكر الله عند المشعر الحرام بل يذكره فيه ﴿ مِّنْ عَرَفَتٍ ﴾ منون تنوين مقابلة لأنه بصيغة جمع المؤنث السالم ، أو جمع مؤنث السالم سمى به والمفرد عرفة ، وعرفة جمع عارف تسمية للمحل باسم الحال ، وذلك أنه تعارف آدم وحواء فيهما ويتعارف الناس فيها ، وعرفها جبريل لآدم وإبراهيم ومحمد صلى الله عليه وسلم عليهم ، ولقول جبريل فيها اعترف بذنبك ، فاعرف المناسك ، أو لعلوها كما قيل لعرف الديك ، أو عرفة اسم مفرد ، وضع للبقعة كعرفات بصيغة الجمع فهما اسمان ويرجحه أن الأصل عدم الانتقال من الحج إلى جمع آخر ، ولكون تنوينه للمقابلة ثبت مع العلمية والتأنيث كحمزات ، وهو تأنيث البقعة ، وصيغ ة جمع المؤنث السالم صيغة تأنيث فيراعى التأنيث فى المنع ، ولو مما يرد إليه الضمير مذكرا كهندات علما لرجل ، وسكون ما قبل تائه لا يبطل تأنيثه ، ولو لم يكن فى ينة التحريك كرغبوت ، وأيضا هى عوض عن تاء المفرد فى الجملة ، ولزم من الإفاضة أنهم فيها ، كأنه قيل قفوا فى عرفات ، وأفيضوا منها ، فإذا أفضتم منها فاذكروا الله الخ ، والإفاضة من عرفات واجبة لأن الأمر المجرد للوجوب ، وهو لا يتم إلا بالكون فى عرفات وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وَهو بلا تكلف عندى إلا أن الكون فيها لا يستلزم اللبث فيتقوى وجوب الوقوف بالإجماع والحيث ، بل يدل على ذلك لفظ الإفاضة لأنها بعد لبث الماء فى شأن الماء فكذا فى شأن اللبث ﴿ فَاذْكُرُواْ اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ﴾ ولزم من الذكر عنده أنهم أفاضوا إلى المزدلفة ولبثوا فيها ، وكأنه قيل أفيضوا منها إلى المزدلفة ثم إلى المشعر الحرام ، فاذكروا الله فيه ، أى بعد المبيت فيها بالتلبية والتهليل والدعاء ، والمشعر الحرام ، جبل فى أخر المزدلفة يسمى قزح كعمر ، اسم لملك موكل بالسحاب ، أو لملك من الملوك ، أو شيطان فى الأصل ، روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم وقف به يذكر الله ويدعوه حتى أسفر جدا ، وسمى المشعر لأنه علامة من علامات الحج معظمة لأنه من الحرم ، ومحل العبادة ، وقيل المشعر الحرام ما بين مأزمى عرفة ووادى محسر ، ويروى ما بين وادى مزدلفة ووادى محسر ليس من الموقف ، ووادى محسر خمسمائة ذراع طولا وخمس وأربعون عرضا ، وفى مسلم عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم لما صلى الفجر أى فى المزدلفة بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام ، فدعا وكبر وهلل ، فدل الحديث على القول الأول ، إلا أن يؤول المشعر الحرام فى الحديث بالجبل أو بتسمية الجزاء باسم الكل ، والمعنى واذكروا الله لذاته إعظاما وإجلالا واستحقاقا عند المشعر الحرام ﴿ وَاذْكُرُوهُ ﴾ أيضا ﴿ كَمَا هَدَيكُمْ ﴾ أى لهدايته إياكم عن الضلالة إلى المناسك وغيرها من دينه عز وجل ، أو اذكروه ذكرا شبيها بهدايته إياكم إلى ذلك فى الحسن ، أو اذكروه على نحو ما علمك لا تغيروه ﴿ وَإِنْ ﴾ الشأن ، أو أنكم خففت وأهملت ، وليست نافية بدليل اللام فى قوله ﴿ كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ ﴾ أى من قبل الهدى المعلوم من قوله كما هداكم ﴿ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ الجاهلين للتوحيد والعبادة وهداكم الله عز وجل إليهما أحوج ما أنتم للفترة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٠٥