زُیِّنَ لِلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا وَیَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ۘ وَٱلَّذِینَ ٱتَّقَوۡا۟ فَوۡقَهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ یَرۡزُقُ مَن یَشَاۤءُ بِغَیۡرِ حِسَابࣲ٢١٢
الرسم الإملائيّ
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
الجزء ٢الربع ١٣ صفحة ٣٣
تفسيرها
﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾ حسنت في أعينهم ، وسرت محبتها في قلوبهم حتى تهالكوا عليها وأعرضوا عن غيرها ، والمزيِّن في الحقيقة هو الله إذ ما من شيء إلاَّ وهو فاعله ؛ وقيل : المزيِّن هو الشيطان زيَّنها لهم وحسَّنها في أعينهم بوساوسه ، وحببها إليهم فلا يريدون غيرها . ﴿ وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ يريد فقراء المؤمنين ، أي يسترذلونهم ويستهزؤون بهم ويسَّفونهم على رفضهم الدنيا وإقبالهم على العقبى ، ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ لأنهم في عليين وهم في أسفل سافلين ، ﴿ وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ في الدنيا ولآخرة .
افتحه في القارئ · صفحة ٢١٩
قوله : ﴿ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا ﴾ في طلبهم الآخرة؛ يقول بعضهم لبعض : انظروا إلى هؤلاء الذين تركوا الشهوات يطلبون بذلك ، زعموا ، نعيماً في الآخرة .
قال الله : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ وهم المؤمنون ﴿ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ أي : خير منهم يوم القيامة . وقال الحسن : أعطاهم الله الدولة عليهم فيسخرون منهم ويضحكون كما كان الكفار يضحكون منهم في الدنيا . وهو قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ . . . . إلى آخر الآية . قال : ﴿ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنَ الكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ [ المطففين : 29-34 ] . بلغنا أن هذا في أصحاب الأنبياء . وبعضهم يقول : أصحاب النبي .
ذكر بعضهم أن كعباً قال : إِن بين الجنة وبين النار كوى؛ فإذا أراد الرجل من أهل الجنة أن ينظر إلى عدو له كان في الدنيا من أهل النار اطلع فرآه ، وهو قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا ﴾ أي أشركوا ﴿ كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضْحَكُونَ ﴾ . . . إلى آخر الآيات . قال بعض المفسّرين : هي مثل قوله في الصّافّات : ﴿ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ ﴾ أي صاحب ﴿ يَقُولُ ﴾ لصاحبه المؤمن في الدنيا : « إِنَّكَ لَمِنَ المُصَدِّقِينَ أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَءَاهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ » [ الصافات : 51-55 ] . قال بعضهم : كان شريكه ، وقال بعضهم : كان أخاه ، ورثا مالاً . وتفسير أمرهما في سورة الكهف .
قوله : ﴿ وَالله يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي لا ينقص ما عند الله كما ينقص ما في أيدي العباد .
افتحه في القارئ · صفحة ٢١٩
﴿ زُيِّنَ ﴾ أى زين الله ، لأنه الموجد للزينة وخالقها وخالق تأثير وسوسة الشيطان ، إذ لا مؤثر سوى الله ، أو زين الشيطان أى عالج حصول الزينة وخالفها الله بالخذلان ﴿ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَوةُ الدُّنْيَا ﴾ بالزخرفة فأحبوها ﴿ وَيَسْخَرُونَ ﴾ يهزأون ﴿ مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ ﴾ لقلة حرمة الدنيا عندهم وقلة مالها عندهم ، كبلال وعمار ، وصهيب ، والذين للحقيقة أو للاستغراق ، لأن من المسلمين ذوى جاه وأموال ، والمراد يسخرون بالذين آمنوا أو لما جعلوا محلا للسخرية ، ومبديا لها كانت مبدأة منهم ﴿ وَالَّذِينَ اتَّقَوْا ﴾ ما حرم من شرك ومعاص ، وهم الذين آمنوا المذكورون ، ذكرهم باسم التقوى أيضا أو المراد المذكورون وغيرهم عموما لهم بالأولى ، والمراد الذين آمنوا وعملوا الصالحات ومنها ترك المعاصى بدليل قوله ﴿ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ ﴾ فى جنات عاليات ، وكرامة ومكانة ، وهؤلاء فى النار سافلين ، ودخل فى الكرامة وعلو الشأن كون مساكنهم فى لاجنات ، فالفرقية حسية وعقلية ، ومن ذلك أن يسخر بهم بالمؤمنون ﴿ وَاللهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ ﴾ رزق الدنيا والآخرة ، فيملك الذين آمنوا أموال المشركين ومنازلهم وأزواجهم فى الجنة وفى الدنيا ، ويرزق الكفار فى الدنيا استدراجا ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أى كثير لا يطيق الخلق حسابه ، وأما الله فكل شىء عنده بحساب .
افتحه في القارئ · صفحة ٢١٩