أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُوا۟ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا یَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِینَ خَلَوۡا۟ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَاۤءُ وَٱلضَّرَّاۤءُ وَزُلۡزِلُوا۟ حَتَّىٰ یَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَاۤ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِیبࣱ٢١٤
الرسم الإملائيّ
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ
الجزء ٢الربع ١٣ صفحة ٣٣
تفسيرها
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم ﴾ أي : إتيان ذلك متوقع منتظر ، ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ ﴾ مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدَّة ؛ ﴿ مِن قَبْلِكُم ﴾ أي : أخبارهم وما حل بهم من البلوى ، ﴿ مَّسَّتْهُمُ ﴾ بيان للمثل ﴿ الْبَأْسَاء ﴾ أي : البؤس ، ﴿ وَالضَّرَّاء ﴾ المرض والجوع ،
﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ وحرِّكوا بأنواع البلايا ، وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلازلة .﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ﴾ إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين : ﴿ مَتَى نَصْرُ اللّهِ ﴾ أي : بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر ، ومعناه : طلب النصر وتميتنه واستطالة زمان الشدة ، وفي هذه الغاية دليل على علوِّ شأنهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجروا وضجوا ، كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمع وراءها ، فقيل لهم : ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ﴾ وفيه إشارة إلى أن الوصل إلى الله والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات ، كما قال << حُفَّت الجنة بالمكاره ، والنار بالشهوات >> .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٢١
قوله : ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ﴾ أي سنن الذين مضوا من قبلكم . ﴿ مَّسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ ﴾ البأساء : البؤس ، وهو الحاجة ، والضراء : المرض والجراح . وقال بعضهم : الضرّاء : الشدة والبلاء . ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ أي أصابتهم الشدة ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله ﴾ . قال الله : ﴿ أَلاَ إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ ﴾ .
ذكروا عن الحسن أنه قال : لما نزلت هذه الآية جعل أصحاب النبي عليه السلام يقولون : ما أصابنا هذا بعد . فلما كان يوم الأحزاب وأصابهم ما أصابهم من الجهد أنزل الله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِالله الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً ﴾ [ الأحزاب : 9-11 ] .
وقال : ﴿ وَلَمَّا رَءَا المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ الله وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُم إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً ﴾ [ الأحزاب : 22 ] .
وقال بعضهم عن الحسن في قوله : ﴿ وَزُلْزِلُوا ﴾ أي : وحُرِّكوا بالخوف . ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ الله ﴾ . وذلك أن الله وعدهم النصر والظفر ، فاستبطأوا ذلك لما وصل إليهم من الشدة . فأخبر الله النبي عليه السلام والمؤمنين بأن من مضى من قبلهم من الأنبياء والمؤمنين كان إذا بلغ البلاء بهم هذا عجلتُ لهم نصري . فإذا ابتليتم أنتم بذلك فأبشروا ، فإن نصري قريب .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٢١
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ ﴾ بمجرد الإيمان دون لقاء شد كشدة حفر الخندق ولغزوة الأحزاب والجوع فيها والخوف والبرد ، وشدة حرب أحد قبلها ، وشدة مفارقة الأهل والمال الوطن عند الهجرة والحاجة ، نزلت فى غزوة الخندق ، وكأنه أشير لهم بأنها آخر شدة تقصدون وتضطرون إليها ، وإن نزلت حين الهجرة فالآية إشارة إلى أنهم يسيصابون ، ثم أصيبوا مع شدقا لهجرة بأحد والخندق ، وترك أموالهم بمكة وديارهم ، وإظهار الهيود العدواة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإسرار قوم النفاق ، والخطاب للنبى صلى الله عليه وسلم والمؤمنين ، أولهم ، وعلى الأول عد ضيق صدره الشريف بمنزلة حسبان دخول الجنة بدون مكاره ، بل قبل الهجرة ، يأتونه صلى الله عليه وسلم ما بين مضروب ومشجوج ويقولون ألا تدعو لنا فيقول اصبروا ، فإنى لم أومر بالقتال ، وقد ينشر الرجل ممن كان قبلكم من رأسه إلى ما بين فخذيه ويمشط بأمشاط الحديد ما رد عظمه ، ولا يرده ذلك عن الإِيمان كما قال ﴿ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوُاْ مِن قَبْلِكُم ﴾ والحال أنه لم يأتكم صفة من قبلكم ، أى صفة كصفتهم مما يكره ، وقال والله ليتمن هذا الأمر حتى يصبر الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ، ولكنكم تستعجلون ، وأم بمعنى بل ، وهمزة إنكار لياقة الحسبان ، وفى لما ترقب وقوع ذلك والتصيير لما فى حالهم منه ، وهى كالمثل المضروب فى الغرابة وذكرها بقوله ﴿ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ ﴾ الفقر الشديد ﴿ وَالْضَّرَّاءُ ﴾ المرض والقتل ﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ أزعجوا بالشدائد ﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ﴾ جنس الرسول ، فيشمل رسلا كثيرة ، كأنكم فى حال قول الرسل بتقدمكم إليهم أو تأخرهم ، ولو اعتبر تأخرهم عن زمان النزول لنصب ، وزعم بعض أن المراد اليسع وبعض أشيعاء وبعض شيعاء فالقائلون متى نصر الله أقوام هؤلاء الأنبياء ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ ﴾ هم الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا ، أو الذين آمنوا ، أولو التقدم فى أمر الدين ﴿ مَتَى نَصْرُ اللهِ ﴾ استفهام استبطاء ولا شك ، لما وعدهم الله من النصر ، فأجابهم بطريق الإسعاف فى التعجيل بقوله ﴿ أَلآ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ ﴾ فاصبروا يوافكم مأجورين ، أى قلنا ، أو قال ، أو قيل لهم ، وعلى الأوجه الثلاثة القائل الله ، كقوله تعالى : ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ لا كما قيل إن هذا من قول الرسول والذين آمنوا وما قبله من قول العامة ، ولا من قول الذين آمنوا ، ومتى نصر الله من قول الرسول ، ولا من قول الذين آمنوا وإلى أن نصر الله قريب من كلام الرسول كما قيل .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٢١