سورة البقرة · الآية ٢١٥ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
یَسۡءَلُونَكَ مَاذَا یُنفِقُونَۖ قُلۡ مَاۤ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَیۡرࣲ فَلِلۡوَٰلِدَیۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِینَ وَٱلۡیَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِینِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِیلِۗ وَمَا تَفۡعَلُوا۟ مِنۡ خَیۡرࣲ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِیمࣱ٢١٥
الرسم الإملائيّ

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ

الجزء ٢الربع ١٣ صفحة ٣٣

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 215]

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم ﴾ أي : إتيان ذلك متوقع منتظر ، ﴿ مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ ﴾ مضوا أي حالهم التي هي مثل في الشدَّة ؛ ﴿ مِن قَبْلِكُم ﴾ أي : أخبارهم وما حل بهم من البلوى ، ﴿ مَّسَّتْهُمُ ﴾ بيان للمثل ﴿ الْبَأْسَاء ﴾ أي : البؤس ، ﴿ وَالضَّرَّاء ﴾ المرض والجوع ،

﴿ وَزُلْزِلُواْ ﴾ وحرِّكوا بأنواع البلايا ، وأزعجوا إزعاجا شديدا شبيها بالزلازلة .﴿ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ ﴾ إلى الغاية التي قال الرسول ومن معه من المؤمنين : ﴿ مَتَى نَصْرُ اللّهِ ﴾ أي : بلغ بهم الضجر ولم يبق لهم صبر ، ومعناه : طلب النصر وتميتنه واستطالة زمان الشدة ، وفي هذه الغاية دليل على علوِّ شأنهم واصطبارهم وضبطهم لأنفسهم ، فإذا لم يبق لهم صبر حتى ضجروا وضجوا ، كان ذلك الغاية في الشدة التي لا مطمع وراءها ، فقيل لهم : ﴿ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ ﴾ وفيه إشارة إلى أن الوصل إلى الله والفوز بالكرامة عنده برفض الهوى واللذات ومكابدة الشدائد والرياضات ، كما قال  << حُفَّت الجنة بالمكاره ، والنار بالشهوات >> .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢٢

[سورة البقرة — آية 215]

قوله : ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ ﴾ . نزلت هذه الآية قبل أن تنزل آية الزكاة ، ولم يكن ذلك يومئذ شيئاً موقوتاً .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « ألا أنبئكم بخمسة الدنانير أفضلها ديناراً وأحسنها ديناراً؟ أفضل الخمسة دنانير الذي تنفقه على والدتك ، وإن أفضل الأربعة دنانير الذي تنفقه على والدك ، وأن أفضل الثلاثة دنانير الذي تنفقه على ولدك وزوجتك وعيالك . وإن أفضل الدينارين الباقيين الذي تنفقه على ذي قرابتك . وإن أخسها وأقلها أجراً الذي تنفقه في سبيل الله » .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢٢

[سورة البقرة — آية 215]

﴿ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ ﴾ أى وعلى من ينفقون ، بدليل قوله : فللوالدين الخ ، السائل عمرو بن الجموح الأنصارى ، وهو شيخ هرم ذو مال عظيم وكان بصيغة الجمع ، لأنه قال فى سؤاله ماذا ننفق ولرضى غيره بسؤاله وإعجابهم به ، أو سألوا معه كما قال ابن جريج ﴿ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ ﴾ ما أردتم إنفاقه ﴿ مِّنْ خَيْرٍ ﴾ جواب عن نفس ما ينفق فى ضمن الشرط ، يتضمن أن الإِنفاق يتصور بكل ما أمكن من الحلال ، وهو الخير ، أو الخير المال ، والحلال يعرف من المقام لأنه لا يتقرب إلى الله بمعصية ومن خارج ﴿ فَلِلْوَلِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ بيان للمنفق عليه تصريحا ، لأنه الأهم ، وأجاب عن نفس ما ينفق بعرض التصريح ، لأن الأولى بهم أن يسألوا عن المنفق عليه ، والصحيح أن الآية ليست فى الزكاة كما هو ظاهر ، وتجوز الزكاة للوالدين والولد بشرط الفقر والإسلام ، وعدم قرنها بمنفعة ترجع إلى المعطى ، وتجوز من زوج لزوجها ومنه لها ، كذلك لدين عليها لا تجد خلاصه لا لتتزين بها ، وإنما جازت لها منه لأنه ليس عليه قضاء ما عليها من الدين ، وقدم الوالدين لعظم شأنهما وحقهما وفعلهما مع الولد ، وأنهما أصله ، وحتى إنه هما نفسهما ، وإنما هو لا قرابة فقط ، وذكر الأقرب بعدهما لأنه كبعض الوالدين فهو أولى ، إذ لا طاقة على الناس كلهم . وذكر اليتامى لأنهم لا يقوون على الكسب ، وهم أحق ، وسيما إن كان فيهم أيضا قرابة ، وأخر ابن السبيل إذ كان قويا حتى كان ابن السبيل ، ولم يذكر السائلين والرقاب لدخولهم فى المساكين ، وقيل نزلت فى رجل قال : يا رسول الله لى دينار ، قال أنفقه على نفسك ، فقال اثنان ، فقال : على أهلك ، فقال : ثلاثة ، فقال : على خادمك ، فقال أربعة ، فقال : على والديك ، فقال : خمسة ، فقال : على قرابتك ﴿ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ ﴾ إنفاق أو غيره كصلاة وصوم ﴿ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ كناية عن المجازاة ، إن كان من حلال وفى إخلاص ولو حلالا عند المنفق لا عند الله مما لا يدرك بالعلم ، والجملة جواب الشرط ، لأن المعنى تثابوا عليه أو دليل الجواب أى تثابوا عليه لأن الله به عليم ، والإثابة على الإنفاق مستمرة بعد فرض الزكاة وقبله ، فلا وجه لدعوى نسخه بالزَكاة ، ولا سيما أن هذا شامل للزكاة وغيرها ، وتعميم بعد تخصيص ، وليس أمراً بل إخبار فلا يقبل النسخ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢٢