سورة البقرة · الآية ٢١٦ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
كُتِبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهࣱ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰۤ أَن تَكۡرَهُوا۟ شَیۡءࣰا وَهُوَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰۤ أَن تُحِبُّوا۟ شَیۡءࣰا وَهُوَ شَرࣱّ لَّكُمۡۗ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ٢١٦
الرسم الإملائيّ

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ

الجزء ٢الربع ١٣ صفحة ٣٤

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 216]

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ جميع ما كلفه الله العباد تأباه نفوسهم ومكروه في طباعهم وهو منط صلاحهم ، وسبب فلاحهم . ﴿ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ وهو جميع ما نهوا عنه ، فالنفس تحبه وتهواه وهو يفضي بها إلى الردى وإنما قال : << عسى >> لأن النفس إذا ارتاضت تنعكس لأمر عليها [كذا] ، ﴿ وَاللّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما فيه صلاحكم ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ذلك فباروا إلى ما يأمركم به وإن شقَّ عليكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢٣

[سورة البقرة — آية 216]

قوله : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ ﴾ أي فرض عليكم القتال ﴿ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال الحسن : إذا أتيت ما أمر الله من طاعته فهو خير لك ، وإذا كرهت ما نهاك الله عن معصيته فهو خير لك . وإذا أصبت ما نهى الله عنه من معصيته فهو شرّ لك ، وإذا كرهت ما أمر الله به من طاعته فهو شر لك . وكان أصل هذا في الجهاد . كان المؤمنون كرهوا الجهاد في سبيل الله وكان ذلك خيراً لهم عند الله .

قال الكلبي : وكان هذا حين كان الجهاد فريضة ، فلم يقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أظهر الله الإِسلام فصار الجهاد تطوّعاً . فإن جاء المسلمين عدو لا طاقة لهم بهم تحيزوا إلى البصرة . وإنما قالوا تحيزوا إلى البصرة ، لأنه كان بالبصرة . فإن جاءهم عدو لا طاقة لهم به تحيزوا إلى الشام ، فإن جاءهم عدوّ لا طاقة لهم به تحيّزوا إلى المدينة . فإن جاءهم عدو لا طاقة لهم به فليس ثَم تحيّز وصار الجهاد فريضة .

ذكروا أن رجلاً سأل بعض السلف أيام الكرك ، وكانوا قد دخلوا يومئذ في جدة فقال : إن لي والدة أفأخرج إلى قتال الكرك . قال : كنا نقول : إذا هجم عليكم العدو فقد وجب عليك القتال .

وقال الكلبي في قوله : ﴿ وَالله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي : علم أنه سيكون منكم من يقاتل في سبيل الله فيستشهد .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢٣

[سورة البقرة — آية 216]

﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ ﴾ قتال الكفار ﴿ وَهُوَ كُرْهُ لَّكُمْ ﴾ مصدر بمعنى مكروه ، أو وصف بمعنى مكروه لكم فى طبع النفس ، أو ذو كره أو نفس الكره مبالغة ، لصرف المال والتعب والجراح والموت ومفارقة الأهل والولد ، قال صلى الله عليه وسلم إن الله ليجرب أحدكم بالبلاء ، وهو أعلم به ، كما يجرب أحدكم ذهبه بالنار ، فمنهم من يخرج كالذه بالإبريز فذلك تجاه الله من السيئات ، ومنهم من يخرج كالذهب الأسود ، فذلك الذى قد افتتن ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُواْ شَيْئاً ﴾ مما كلفتم به ﴿ وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ دنيا كنتم ظفر ، وأخرى كثواب وشهادة ﴿ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّواْ شَيْئاً ﴾ مما نهيتك عنه لليقاته بالطبع ﴿ وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ﴾ دنيا كجلد ورجم وقطع وحبس ، وأخرى كعذاب القبر والبعث والنار والذل والفقر وفرت الأجر ، وذلك كالزنا وترك الجهاد ، ففى تركه ضعفكم وسبى ذراريكم ونهب أموالكم ، وحرمان ثواب الآخرة ، وعسى تليبن فى الزجر والجلب ، والنفس إذا ارتاضت أحبت مكروهها وكرهت محبوبها ، وأمر الله تعالى ونهيه كلها مصلحة للعبد ﴿ وَاللهُ يَعْلَمُ ﴾ كل شىء ، فهو عالم بما يصلح لكم ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ إلا ما علمكم ، فبادروا إلى ما أمرتم به وإلى ترك ما نهيتم عنه ، فليس ينهاكم عما هو خير لكم ، ولا يأمركم بما هو شر لكم ، وكل ما نهيتم عنه شر لكم ، وكل ما أمرتم به خير لكم .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٢٣