وَٱلۡمُطَلَّقَٰتُ یَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَٰثَةَ قُرُوۤءࣲۚ وَلَا یَحِلُّ لَهُنَّ أَن یَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِیۤ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ یُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡءَاخِرِۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِی ذَٰلِكَ إِنۡ أَرَادُوۤا۟ إِصۡلَٰحࣰاۚ وَلَهُنَّ مِثۡلُ ٱلَّذِی عَلَیۡهِنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَیۡهِنَّ دَرَجَةࣱۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمٌ٢٢٨
الرسم الإملائيّ
وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
الجزء ٢الربع ١٤ صفحة ٣٦
تفسيرها
﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾ قيل : كان الرجل إذ طلق زوجته ثلاثا في أوَّل الإسلام كان حقَّ بردِّها ما كانت في العدة ، ثم نُسخت هذه الآية بقوله : ( الطَّلاَق مَّرتان ) . ﴿ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾ فيما جعل الله عليهن من العدة للأزواج في الطلاق ، فيما لا يبلغ إلى علمه إلاَّ بعولتهن من انقضاء عدتهن وغير انقضائها ، فلا يحلُّ لها أن تقول : إن عدتها قد انقضت بحيض أو بولادة ، فيما يمكن صدقُ قولها في ذلك ، وهي لم تنقض عدتها فتكون … ، ﴿ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحاً ﴾ وهو المعاشرة بالمعروف ، ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ ﴾ ويجب لهن من الحق على الرجال والمهر والنفقة ، وحسن العشرة وترك المضَّارة ، مثل الذي يجب لهم عليهن ، من الأمر والنهي ؛ ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ بالوجه الذي لا يُنكر في الشرع وعادات الناس ، فلا يكِّلف أحد الزوجين صاحبة ما ليس له ؛ والمُراد بالمماثلة : الواجب في كونه حسنةً لا في جنس الفعل ، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له ، أن يفعل نحو ذلك ، ولكن تقابله بما يليق بالرجال .
﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ زيادة في الحقِّ ، وفضيلة بالقيام بأمرها ، وإن اشتركا في اللذة والاستمتاع ، أو بالإنفاق وملك النكاح ، وقيل : بالعقل ، وقيل : بالطلاق ، وقيل : بالرجعة ، غير ذلك ، ﴿ وَاللّهُ عَزِيزٌ ﴾ لا يتعرَّض عليه في أموره ، ﴿ حَكُيمٌ ﴾ لا يأمر إلاَّ بما هو صواب وحسن .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٣٥
قوله : ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ ﴾ . والقرء : الحيض في قول أهل العراق . وفي قول أهل المدينة القرء : هو الطهر .
ذكروا عن عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما قالا : هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة . ذكروا عن الحسن عن أبي موسى الأشعري مثل ذلك . وذكروا عن علي وابن عباس مثل ذلك . وذكروا عن عمران بن حصين مثل ذلك ، وهو قول الحسن وإبراهيم والعامة عندنا .
ذكروا عن زيد بن ثابت وعائشة أنهما قالا : إذا دخلت في الحيضة الثالثة فقد بانت منه . وذكروا عن ابن عمر ذلك ، وهو قول أهل المدينة .
وتفسير قول أهل المدينة : إن القرء هو الطهر ، أَن الرجل إذا طلق امرأته ، ثم حاضت ، فإن ما بين طلاقه إلى حيضتها قرء . فإذا طهرت من حيضتها كان من ما بين الحيضة الأولى إلى الحيضة الثانية قرءاً . فإذا طهرت من الثانية صار ما بين الثانية والثالثة قرءاً . فبانت حين رأت الدم . فالقرء الأول ، على قولهم إنه طهر ، ربما كان يوماً واحداً أو أكثر من ذلك ، فيما بينها وبين الحيضة ، وليس بس .
وقول أهل العراق إنه إذا طلقها ثم حاضت كان الحيض هو القرءَ . فإذا طهرت لم تعد الطهر فيما بين الحيضتين قرءاً . فإذا دخلت في الحيضة الثانية فقد دخلت في القرء . فإذا طهرت منها ما لم تعد الطهر فيما بين الحيضة الثانية والثالثة قرءاً . فإذا دخلت في الدم من الحيضة الثالثة فقد دخلت في القرء الثالث . فإذا اغتسلت منه فقد مضت الأقراء الثلاثة وبانت منه . فالحِيَض ثلاث والقروء صحيحة . والطهران [ الأخيران ] من قول أهل المدينة صحيحان ، والقرء الأول ينكسر .
ويختلف القرء لأنه ربما طلقها قبل أن تحيض بيوم ، ثم تحيض من الغد ، فيكون ذلك اليوم في قولهم قرءاً ، وربما كان يومين أو أكثر من ذلك إلى الحيضة الثانية . فالقرء الأول مختلف .
قال بعض المفسّرين : [ جعل عدة المطلقة في هذه الآية ثلاث حيض ثم ] نسخ منها ومن الثلاثة قروء أربع نسوة : التي طلقت قبل أن يدخل بها زوجها؛ قال الله تعالى في سورة الأحزاب : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ [ الأحزاب : 49 ] ؛ فهذه ليست لها عدة ، تتزوج من يومها إن شاءت . ونسخ منها العجوز التي قعدت من الحيض . والبكر التي لم تحض . قال في سورة النساء القصرى ﴿ وَالَّلائِي يَئِسْنَ مِنَ المَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَالَّلائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ [ الطلاق : 4 ] أيضاً ثلاثة أشهر . ونسخ منها المطلقة الحامل فقال : ﴿ وَأُوْلاَتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾
***********************
[ الطلاق : 4 ] .
قوله : ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ الله فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِالله وَاليَوْمِ الآخِرِ ﴾ .
قال مجاهد : لا تقول : إني حائض وليست بحائض ، ولا تقول : إني لست بحائض وهي حائض . ولا تقول إني حامل وليست بحامل ، ولا تقول : لست بحامل وهي حامل . قال : لتَبِينَ من زوجها قبل انقضاء العدة ويضاف الولد إلى الزوج الثاني ، أو تستوجب الميراث إذا مات الرجل فتقول : لم تنقض عدتي وقد انقضت عدّتها .
قوله : ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ أي : في العدة ، وفي التطليقة والتطليقتين ما لم يطلق ثلاثاً . ﴿ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحاً ﴾ أي : حسن صحبة .
قال : ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ [ يعني فضيلةً في الحق ] . ﴿ وَالله عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ . وقال في آية أخرى : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ [ النساء : 34 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٣٥
﴿ وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُوءٍ ﴾ أطهار أو حيض ، إلا إن لم تمس فلا عدة عليها ، وإلا التى لم تبلغ والآيسة فثلاثة أشهر ، وإلا الأمة فحيضتان ، وإن أيست ، أو لم تبلغ خسمة وأربعين يوما ، وإلا الحامل فعدتها الوضع ، وذلك للقرآن؛ إلا الأمة فبالسنة ، والجملة إخبار لفظا ومعنى ، أى الشرع تربصهن ، وأجاز بعض كون الاسمية بمعنى الأمر ، وبعض الإخبار عن المبتدأ بالطلب بل هو كثير ، فيتربصن أمر معنى ، أو مع المطلقات ، وفى كونها أمراً مبالغة ، بإخراجه مخرج الخبر ، حتى لا يخالف فيكو كالكذب ، وبكونه كأنه امتثل فأخبر به ، وقال : يتربصن لأن نفوس النساء إلى الرجال مائلات أضعاف ما يميلون إليهن ، إلا أنهن يكتمن ، والواحد قرء بضم القاف أو فتحها وإسكان الرا ، وهو الحيض ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « دعى الصلاة أيام أقرائك » ، رواه أبو داود والنسائى عن عائشة ، رضى الله عنها أو الطهر ، لقوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن ، إذ لا يشرع الطلاق فى الحيض ، أى عند عدتهن فثلاثة قروء عبارة عن لقوله تعالى : فطلقوهن لعدتهن ، فينتج أن القرء طهر ، وأجيب أن المعنى طلقوهن مستقبلات لعدتهن وهى الحيض الثلاثة ، والقرينة حديث طلاق الأمة تطليقتين ، وعدتها حيضتنان ، وحديث ، دعى الصلاة أيام أقرائك ، وبأن مدار استبراء الرحم الحيض لا الطهر ، فإن الانتقال من الحيض إلى الطهر يدل على انسداد فم الرحم ، وهو مظنة العلوق ، فإذا جاء بعده الحيض علم عدم انسداده ، وليست اللام لترقيت ، وبأن بعض الطهر ليس طهراً ، وإلا كفى من الطهر الثالث أيضا جزء فإن لم يحسب الطهر الذى طلق فيه لزم ثلاثة أطهار وبعض طهر ، وإن حسب فطهران وبعض طهر ، والشافعى يقول بطهرين وبعض الطهر الذى طلق فيه ، ولا يرد على غير مذهبه أن الحيضة التى وقع فيهما الطلاق إن اعتبرت حيضة كانت ثلاث حيض وبعض حيضة ، لأنا نقول بحب الحيضة الرابعة تامة ، لأن الحيضة الواحدة لا تقبل التجزؤ ، فلزم مضى البعض الذى وقع فيه الطلاق ضرورة لا باعتبار أنه مما وجب بالعدة ، والكلام فى العدة التى تعقب الطلاق ، لا فى التى وقع فيها الطلاق ، وحديث البخارى ومسلم فى قصة ابن عمر مرة فليراجعها . . . الخ الذى رجحوه فى الثانى لا فى الأول ، واختار القروء على الأقراء لكثرتهن بكثرة المطلقات ﴿ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ ﴾ لتفويت الرحمة وإلحق الولد بغير الأب ﴿ مَا خَلَقَ اللهُ فِى أَرْحَامِهِنَّ ﴾ من الحيض والولد ، ووجه كون الحيض فى الرحم ، أنه يجتمع فيها الدم ثم يخرج ، ولا يخفى أن المطلقات المذكورات ذوات قروء ، لقوله : ثلاثة قروء ، فكيف يكون الولد فى أرحامهن فنقول : إذا كتمن الحمل حكمنا بأنهن من ذوات القروء أو الضمائر للمطلقات مطلقا فى ضمن المقيد ، كالاستخدام البديعى ، وفى الوجهين بعد ، فإن قلنا ما فى أرحامهن من الحيض والحمل معا ، وتحريم الكتم عليهن إيجاب للعمل بما قلن إن لم يتبين كذبه ينظر الأمينات ، فهن مؤتمنات ، وإلا كان حرج عظيم ، فيتعلق بقولهن ما بعلق إلى حيض من تحريم وطء ، وما يحرم بالوطء وغير ذلك كعتق وعدم طلاق ، وفى الأثر ، سئل عزان بن الصقر رحمه الله عن المطلقة إذا ادعت أنها حامل ، قال : تنظر إليها الأمينات نسوة ، فإن قلن إنها حامل فلها النفقة ولو كان الطلاق ثلاثا أو بائنا ، وإن لم يقلن إنها حامل فلا نفقة لها بعد العدة ، ولها النفقة فى عدة غير الثلاث والبائن ، وإن وضعته فى وقت يحكم عليه فيه بالولد وقد طلبت النفقة ولم يعط فعليه أز يعطيها نفقتا منذ طلقها ، وإن اشتبه على النساء فلم يقلن إنها حامل ولا غير حامل فطلبت هى النفقة وقالت إنى حامل فلها النفقة إلى سنتين ، فإن جاءت بولد فى السنتين فالولد له ولا ترد له النفقة وإن جاءت بالود بعد السنتين فالولد لها وترد عليه النفقة ، وإن لم تلده ، وقالت فسد فى بطنى فلا نفقة لها بعد السنتين ، ولا يرجع عليها بما أنفق عليها ، لأنه يمكن أن يكون كما قالت ، وليس كما قال بعض : إن الآية شاملة للبكورة الثيوبة وعيب الفرج فتصدق فى ذلك ، لأنا نقول : ذلك مما ينكشف للأمينات فينظرن ، أهى بكر أم ثيب ، ويمسسن ، وكذا ما أمكن ، ﴿ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ أو لم يؤمن ، لأن الكافر مخاطب بالفروع ، وإنما ذكر الإيمان إشارة إلى أن الكتم ينافيه ، وإلى أنه لا يجترىء عليه من آمن ، وإلا كان منافقا ، وأنه من اجترأ عليه فكأنه غير مؤمن ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ ﴾ أزواجهن المطلقون ، جمع بعل ، شذوذاً ، أو مصدر ، أى أهل بعولتهن ، أى نكاحهن ، يقال ، باعلها : أى جامعها ، والأول أولى ﴿ أَحَقُّ ﴾ أى أحقاء ، فهو خارج عن التفضيل ، إذ لا حق لها ولا لغيرها من الرجال فى الرجعة ، أو باق عليه ، أى أحق ما يمكن فعلهم الرحمن دون الفرقة ، أو هم أحق بالرجعة من المرأة فى طلب الفرقة ، وجاء عنه صلى الله عليه وسلم :
« أبغض الحلال إلى الله الطلاق » ﴿ بِرَدِّهِنَّ ﴾ برجعتهن ، ولو أبين ، ويشهدون على الرجعة فيخبرهن الشهود ليمحن أنفسهن لهم ، وإن لم يعلمن بالطلاق راجعوهن بالشهود ولو بلا إخبار ﴿ فِى ذَلِكَ ﴾ متعلق برد أو بأحق ، أى فى ذلك التربص أو زمانه ، وهو مقدار العدة ، وبعد ذلك يكون الأمر بأيديهن ، إن شئن تزوجنهم وإلا فلا ﴿ إِنْ أَرَادُواْ ﴾ أى الأزواج المطلقون ﴿ إِصْلَحاً ﴾ بينهم وبينهن ولم يريدوا إضرارهن ، وذلك حث على الإصلاح بالرجعة ، ولو قصدوا الإضرار لصحت الرجعة أيضا ، ولو ظلموهن بقصد إطالة العدة ، ولا مفهوم مخالفة فى قوله إن أزادوا لتحقق الفائدة الأخرى ، وهى الحث ﴿ وَلَهُنَّ ﴾ أى للنساء على أزواجهن من الحقوق مطلقاً بلا شرط طلاق ورجعة ﴿ مِثْلُ الَّذِى ﴾ لهم من الحقوق ﴿ عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ وفى ذلك احتباك ، إذ حذف من الأول لفظ عليهم لدلالة لفظ عليهن فى الثانى ، وحذف من الثانى لفظ لهم لدلالة لفظ لهن فى الأول ، كأنه قيل ، ولهن عليهم مثل الذى لهم عليهن بالمعروف شرعا ، يعاشروهن ويعاشرنهم بحسن العشرة وترك الضرار ويعطونهن حقوقهن من النفقة والكسوة والسكنى والجماع وغير ذلك ، ويعطينهم المطاوعة فى الفراش وعدم الخروج إلا بإذن ونحو ذلك ، والآية عامة لمن اتفق فيهم وفيهن ، ولما اختلف كما رأيت ، كأنه قيل ، لهن حقوق عليكم كما لكن حقوق عليهن ، قال صلى الله عليه وسلم :
« ألا إن لكم على نسائكم حقا ولنسائكم عليكم حقاً ، فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فراشكم من تكرهون ، ولا يأذن فى بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن فى كسوتهن وطعامهن » ، رواه الترمذى وصححه ، والنسائى ، وابن ماجه عن عمرو بن الأحوص ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما إنى لأحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لى ، لأن الله تعالى يقول : ولهن . . . الخ ، ومما لهن ألا تعجل القيام عنها إذا جامعها حتى تقضى حاجتها ﴿ وَلِلرِّجَالِ ﴾ الأزواج ، ولفظ الرجال إشارة إلى أن للرجل فضلا على المرأة ولو لم يكن زوجاً لها ، ولذلك لم يقل لهم ﴿ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ مرتبة رفيعة فوق مرتبتهن وشرف ، لأن حقوقهم فى أبدانهن لا يجئن الخروج والتصرفات إلا بإذنهم ، وحقهم فى الجماع أعظم من حقهن عليهم فيه ، وهم قوام وحرس عليهن ، وكأنهن إماء لهم بالمهر ، حتى إن لهم منهن عن النفل ، وعليهن طاعتهم ﴿ وَاللهُ عَزِيزٌ ﴾ لا يرده شىء عن الانتقام ممن خالف أحكام الزوجين أو غيرهما ، ولا يفعل إلا الحق ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فعله ، كله عدل ، لأنه عالم بعواقب الأمور والمصالح .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٣٥