سورة البقرة · الآية ٢٤٥ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
مَّن ذَا ٱلَّذِی یُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنࣰا فَیُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥۤ أَضۡعَافࣰا كَثِیرَةࣰۚ وَٱللَّهُ یَقۡبِضُ وَیَبۡصُۜطُ وَإِلَیۡهِ تُرۡجَعُونَ٢٤٥
الرسم الإملائيّ

مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ

الجزء ٢الربع ١٦ صفحة ٣٩

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 245]

﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ ابتغاء رضاه ، ويخرج هذا في بذل المال والنفس وجميع الطاعة لله تعالى ، وإن كانت الآية مراد بها إخراج المال ، لقول بعض أهل العلم : << أقرضوا الله من أنفسكم ساعات ، يردَّها عليكم في الجِنان خالدات >> ؛ ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ لا يعلم كنهها إلاَّ الله ، ﴿ وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ يقتِّر الرزق على عباده ، ويقبض وُسعه عليهم ، فلا تبخلوا عليه بما وسَّع عليكم ، لا يبذلكم الضيقة ، ولا بتركه السعة ، ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فيجازيكم على ما قدمتم .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٥٢

[سورة البقرة — آية 245]

قوله : ﴿ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ أي حلالاً . وقال بعضهم : محتسباً . ﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ . قال الحسن : هذا في التطوع . لما نزلت هذه الآية قالت اليهود : هذا ربكم يستقرضكم ، وإنما يستقرض الفقير ، فهو فقير ونحن أغنياء . فأنزل الله : ﴿ لَّقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ﴾ [ آل عمران : 181 ] . وكان المشركون يخلطون أموالهم بالحرام ، حتى جاء الإِسلام ، فنزلت هذه الآية ، وأمروا أن يتصدقوا من الحلال .

ذكروا عن الحسن أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يقبل الله صلاة بغير طُهور ، ولا صدقة من غُلول » .

قوله : ﴿ وَالله يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ ﴾ أي يقبض عمن يشاء ويبسط الرزق لمن يشاء . وهو كقوله : ﴿ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ ﴾ [ العنكبوت : 62 ] أي : وينظر للمؤمن فيكف عنه . قوله : ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ يعني البعث .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٥٢

[سورة البقرة — آية 245]

﴿ مَّن ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ يعامل الله بأعماله الصالحة ، من إنفاق ماله فى الجهاد ، وأنواع الأجر ، واستعمال نفسه فى ذلك فرضا أو نفلا وسائر الأعمال الصالحة ولو غير الجهاد أيضا ، ويدخل الجهاد أولا ، وعن عمر أداء الجهاد والإنفاق فيه معاملة من يقرض محتاجا ، فإن الله يثيبه بالجنة الدائمة على ذلك كما يرد إليه المستقرض مثل ما أقرض ، والله غنى ، وفى البخارى ومسلم من الحديث القدسى « يا ابن آدم ، مرضت فلم تعدنى ، واستطمعتك فلم تطعمنى واستسقيتك فلم تسقنى ، قال : يا رب ، كيف تمرض وكيف أطعمك وأسقيك وأنت رب العالمين قال : مرض عبدى فلان فلم تعده ، واستسقاك فلم تسقه ، استطعمك فلم تطعمه ، أما إنك لو فعلت ذلك لوجدته عندى » وحسن القرض أن يكون بإخلاص وطيب نفس ومن حلال غير ردىء ، والقرض اسم مصدر ليقرض ، أى إقراضا ، أو مالا فيكون مفعولا به ليقرض ﴿ فَيُضَعِفَهُ ﴾ يكثر جزاءه كما ، ويعظمه كيفا ، والمفاعلة مبالغة ﴿ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ لا يعلمها إلا الله : الواحدة بعشر أو أكثر إلى سبعمائة وأكثر ، قيل عن أبى هريرة ، إن الله تعالى ليكتب لعبده المؤن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة ، فحج أبو عثمان الهندى ليسمع هذا عن أبى هريرة فلقيه : فقال : لم يحفظ الراوى ، وإنما قلت ألفى ألف حسنة ، والله قد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأضعافاً جمع ضعف ، والضعف بمعنى إضعاف بكسر الهمزة ، أو مضاعفة مفعول مطلق ، والمصدر واسمه يصلحان للكثير من الإفراد ، ولكن جمع للدلالة على الأنواع ، أو بمعنى نفس القسم حال من الهاء ، أو مفعول ثان ، لأن المعنى يصيره أقساما كثيرة ﴿ وَاللهُ يَقْبِضُ ﴾ يضيق الرزق على من يشاء ، قدم القبض تسليمة للفقراء بأنه يعقبه البسط كما قال ﴿ وَيَبْصُطُ ﴾ الرزق لمن يشاء؛ وكل ذلك حكمة؛ فلا تبخلوا بما أعطاكم ، وفى الحديث القدسى : من عبادى من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد ، ولا تمسكوا خوف الفقر؛ فإن الله يقبض عن من يشاء ولو أمسك ، وقيل : يقبض الصدقة ويبسط الثواب عليها ﴿ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فيجازيكم على ما قدمتم من قليلكم أو كثيركم .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٥٢