سورة البقرة · الآية ٣٠ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰۤئِكَةِ إِنِّی جَاعِلࣱ فِی ٱلۡأَرۡضِ خَلِیفَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَجۡعَلُ فِیهَا مَن یُفۡسِدُ فِیهَا وَیَسۡفِكُ ٱلدِّمَاۤءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّیۤ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ٣٠
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ

الجزء ١الربع ٢ صفحة ٦

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 30]

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ وهو من يخلف غيره ، وقيل : سُمُّوا خليفة لأنهم خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه .

﴿ قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء ﴾ بغير حقِّ ، كما بنو الجانَّ ، فقاسوا بالشاهد على الغائب ، وهو تعجُّب أو استكشاف لمِا خفي عليهم من الحكمة .

﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ ﴾ (لعلهُ) نعيذُك عمـَّا لا يليق بك ، ﴿ بِحَمْدِكَ ﴾ ملتبسين به ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ نطهِّر نفوسنا عن المعاصي لك : لأجلك ، أو نقدَّسك ، كأنَّهم علموا أطباع الخليقة أنها تؤول إلى المنازعة في الرُّبُّوبية ، وهو من الفساد في الأرض ، ولعلَّه قد سبقهم خلقّ فيها قبلهم ، فعصوا وتعالوا عليه بارتكاب ما (لعلَّهُ) نهى وترك ما أمر ، ولذلك قيل واستدَّل بقوله : ( وَالْجَآنَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ ) أي من قبل آدم .

﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من الحِكم فيه ما هو خفي عليكم ، يعني يكون فيه الأنبياء والعلماء ، وما خلق الله لهم ، وفيهم من الحِكم مِمَّـا لم يخلق لكـم .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧

[سورة البقرة — آية 30]

قوله : ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ . في تفسير الحسن أن الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة ، وأن من ولده من يسفك الدماء فيها ، فقالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ [ أي : نصلي لك في تفسير بعضهم ] ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

وفي تفسير بعض أهل العلم أن الملائكة قد علمت من علم الله أنه ليس شيء أكره إليه من سفك الدماء والفساد في الأرض والمعاصي ، ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ . قال علم الله أنه سيكون من تلك الخليفة أنبياء ورسل وقوم صالحون يسكنون الجنة . وقال مجاهد : علم من إبليس المعصية وخلقه لها .

وفي تفسير الكلبي قال : خلق الله كل شيء قبل ءادم عليه السلام؛ فجعل الملائكة هم عمارَ السماوات . وفي كل سماء ملائكة . ولكل أهل سماء دعاء وتسبيح وصلاة . وكل أهل سماء فوق سماء أشدُّ عبادة وأكثر دعاء وتسبيحاً وصلاة من الذين تحتهم . فكان إبليس في جند من الملائكة في السماء الدنيا . وفي تفسير بعضهم كان إبليس مع الخزنة في السماء الدينا : قال : وكانوا أهونَ أهل السماوات عملاً . وكان الجنّ بنو الجانّ الذي خلقه الله من مارج من نار عُمَّارَ الأرض؛ وهو عند الحسن إبليس .

وقال الكلبي فلما وقع بينهم التحاسد والفتن اقتتلوا . فبعث الله جنداً من السماء الدنيا فيهم إبليس ، وهو رأسهم . فأمروا أن يهبطوا إلى الأرض فيُجلوا منها الجن بني الجان . فهبطوا فأجلوهم عن وجه الأرض ، فألحقوهم بجزائر البحور . وسكن إبليس والجند الذين كانوا معه الأرض ، فهان عليهم العمل فيها ، وأحبّوا المكث فيها . ثم أحب الله تبارك وتعالى أن يخلق ءادم عليه السلام وذريته ، فيكونوا هم عمّارَ الأرض ، فقال للملائكة الذين كانوا في الأرض ، يعني إبليس وأصحابه ، إني جاعلٌ في الأرض خليفة ورافعُكم منها . فوَجَدوا من ذلك وقالوا : أتجعل فيها من يُفسد فيها كما أفسدت الجن ، ويسفك الدماء كما سفكوا ، ونحن نسبّح بحمدك ونقدس لك؟ قال : ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ . وقد علم أنه سيكون من بني آدم من يسبح بحمده ويقدّس له ويطيع أمره . فخلق آدمَ وصوّره جسداً ينظرون إليه ويعجبون منه ، ولم يكونوا رأوا فيما خلق الله شيئاً يُشبِهُه .

ذكروا أن إبليس جعل يطوف بآدم قبل أن يُنفخ فيه الروح ، فلما رآه أجوف عرف أنه لا يتمالك . ذكر بعضهم أنه جعل يطوف به ويقول : إن كنت أجوف فلي إليك سبيل ، وإن لم تكن أجوف فمالي إليك سبيل .

ذكر بعضهم قال : أوّل ما خلق الله في الأرض طير وحوت؛ فجعل الطير يخبر الحوتَ خبرَ السماء ، وجعل الحوت يخبر الطيرَ خبرَ الأرض . فلما خلق الله آدم جاء الطير إلى الحوت فقال : لقد خلق الله اليوم خلقاً كذا وكذا . فقال الحوت للطير : فإن كنت صادقاً ليستَنْزِلنَّكَ من السَّماء وليستخرجَنِّي من الماء . قال الكلبي : فأشفق إبليس عدوُّ الله منه وقال : إني لأرى صورة مخلوق سيكون له نبأ . فقال لأصحابه : أرأيتم هذا الذي تروا على خلقه شيئاً من الخلق إن فضِّل عليكم ما تفعلون؟ قالوا : نطيع ربَّنا ونفعل ما يأمرنا به . قال إبليس في نفسه : إن فُضِّل عليَّ لا أطيعه ، وإن فضِّلت عليه لأُهلكَنَّه . فلما نفخ الله الروح في آدم جلس فعطس فقال : الحمد لله رب العالمين . فكان أول شيء تكلَّم به . فردّ الله عليه عند ذلك : يرحمك الله ، لهذا خلقتك؛ لكي تسبّح باسمي وتقدّس لي . ذكر بعضهم قال : لما نفخ في آدم الروح فعطس فحمد ربه قال الله له : يرحمك ربك ، فكانت هي الرحمة التي سبقت لآدم عليه السلام .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧

[سورة البقرة — آية 30]

﴿ وَإِذْ قَالَ ﴾ واذكر إذ قال ، وقيل : ظرف لقالوا ﴿ رَبُّكَ لِلْمَلَئِكَةِ ﴾ كلهم ، وقيل لطائفة خزان الجنان ، يسمون الجان ، أرسلهم إلى الأرض ليطردوا الجن منها إلى البحار ، والجزائر ، والجبال ، ولا يصح هذا ، ولا يصح أن إبليس ملك منهم ، وأقرب من هذا أنه ولد من الجن قبله ، وليسوا ملائكة ، قاتلهم الملائكة وأسروه فتعبد مع الملائكة ، والمشهور أنه أول الجن ، وقيل ملائكة الأرض ، لأن الكلام فى خلافة الأرض ، والمجرد ملئك بهمزة مفتوحة بعد الللام ، وهو مقلوب مالك بهمزة ساكنة فهل اللام ، من الألوكة ، وهى الرسالة ، وهم رسل الله إلى الأنبياء ، وإلى ما شاء الله ، وأخطأ من قال ، إن ملائكة الأرض يعصون كبنى آدم ، والملائكة أجسام نورانية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة ، وعلى الظهور ﴿ إِنِّى جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ينفذ الأحكام عنى ، وهو آدم ، إذ لا يقدر أهل الأرض على تلقى الأحكام عن الله ولا عن الملائكة ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ بالذنوب الكبار والصغار والمكروهات كالعجب ، والكبر والبغى ، والحسد ﴿ وَيَسْفِكُ الدِّمَاءُ ﴾ يريقها ، كناية عن القتل ، ولو بلا إراقة دم ، علموا ذلك من فعل الجن الذين سكنوا الأرض قبل آدم ، فى القول به ، وقاسوا عليه آدم وأولاده ، أو علموا ذلك من اللوح ، أو بإخبار الله لهم ، كما روى ، أنهم قالوا يا ربنا ، ما تفعل ذرية هذا الخليفة ، فقال : يفسدون فيها ، ويسفكون الدماء أو بإلهام ، أو لفهمهم أن من خالف الخلقة الملكية لا يخلو عن ذلك ، وقولهم ذلك تعجب وطلب للعلم بمكة اقتضت جعل الخيلقة مع أنه يحصل الفساد والسفك ، ولعلهم بالغوا فى التعجب والطلب ، فعاقبهم بقطع الوحى عنهم ، إلى أن أوحى إليهم ، أنى أعلم ما لا تعلمون . وقيل : استفهام حقيقى ، أى أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء أم من يصلح ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ نسبحك مصاحبين بحمدك ، تقول سبحان الله والحمد لله ، أو سبحان الله وبحمده ، أى وبحمده نسبح . سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أى الكلام أفضل؟ قال : « ما اصطفى الله تعالى لملائكته ، سبحان الله وبحمده » ، ويقال ، تسبيح الملائكة سبحان ذى الملك والملكوت ، سبحان ذى العظمة والجبروت ، سبحان الحى الذى لا يموت ، أو نسبحك مثنين عليك وشاكرين لك على توفيقك لنا للحمد ، أو كقولك ، كان كذا بحمد الله ، أى بفضله وإذنه ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ نطهرك عن صفات النقص ، أى نعتقد خلوك عنها ، وجاز هذا لأن التسبيح المذكور مراد به لفظ سبحان ، وإذا كان ذلك حالنا فنحن أحق بالاستخلاف ، لأنا أحفظ لعهدك ، ولا ندرى ، ما الحكمة فى العدول عنا إلى من ذلك صفته ، وذلك عجيب عندنا ، متعجبون نحن منه ، فأخبرنا بها ، يقال قدس الله ، وقدس لله ، وشكر الله ، وشكر لله ، وسبح لله ، وسبح لله ، ونصح الله ، ونصح الله ، أو نذكر ألفاظ التقديس لأجلك ، أو التسبيح التنزيه عما لا يليق به ، فالتقديس تنزيه ذاته عما لا يراه لاثقابه ، أو نقدس لك نطهر أنفسنا عما لا يجوز من الأدناس والمعاصى ، فلا نماثلهم ﴿ قَالَ إِنِّى أَعْلَمُ مَا ﴾ تبدون وما تكتمون وأعلم ما ﴿ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ من غيوب السموات والأرض ، ومن إرادتى إظهار حكمى وقدرتى ، وأن المطيع الواحد منهم أفضل من الملائكة ، وأنهم أشد عبادة وأشق ، لأنى أخلق لهم موانع كالنفوس والهوى والشياطين منهم ومن الجن ، والشهوات ، ولهم جهاد وقراءة ليسألكم ، وصلاتهم تشمل عبادتكم .

وعبادات لهم ليست لكم كالصوم والصدقة ، وأظهر العدل فيهم ولا أبالى ، وأدخل العاص منهم النار عدلا ولا أبالى ، ويحيون من الدين ما لا تحيون بالتعلم والتعليم والأمر والنهى ، علم الله ذلك ولم يعلمه الملائكة ، وقالوا ، سرا فيما بينهم ، لن يخلق الله خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم ، لتقدمنا ورؤيتنا بعض ما فى اللوح ، وأن آدم يطيع ، وإبليس يعصى ، وأن منهم أنبياء ورسلا ، وأعلم مضارع لا اسم تفضيل ، لأنه لا يضاف للمفعول .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٧