هُوَ ٱلَّذِی خَلَقَ لَكُم مَّا فِی ٱلۡأَرۡضِ جَمِیعࣰا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰۤ إِلَى ٱلسَّمَاۤءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتࣲۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَیۡءٍ عَلِیمࣱ٢٩
الرسم الإملائيّ
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
الجزء ١الربع ٢ صفحة ٥
تفسيرها
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ أي لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم ، أمَّا الأوَّل فظاهر ، وأما الثاني فالنظر فيه ، وما فيه من العجائب الدالَّة على صانع قادر ، حكيم عليم ، وما فيه من التذكير بالآخرة ، لأن ملاَّذها يذكر ثوابها ، ومكارهها تذكر عقابها ، فقد خلق الله له السراء والضراء مطيتين ، ليتواصَّل بهما إلى دار الثواب ، وكلُّها في حق المطيع الشاكر نِعَمٌ ، وكلُّها في حق من كفرها نقمٌ ، ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ معنى تسويتهنَّ تعديلُ خلقهنَّ وتقويمه ، وإخلاؤه من العوج والفطور . ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فمن ثم خلقهنَّ خلقاً مستوياً محكماً ، من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض ، على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ، ولم يخلق شيئاً عبثاً لأنه حكيم عليم ، ولكن عقول الخلق تقصر عن إدارك بعض معلوماته بالأشياء وما فيها ، وما خلِقت لـه .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٦
قوله : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم ﴾ أي سخَّر لكم ﴿ مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ . في تفسير بعض أهل العلم أن الله خلق السماوات قبل الأرض ، ثم خلق الأرض ثم استوى إلى السماء .
وفي تفسير الحسن أنه كان بدءُ خلقِ الله الأرضَ قبل أن يبسطها؛ كانت في موضع واحد ، موضع بيت المقدس ، ثم خلق السماوات ، ثم بسط الأرض فقال لها : انبسطي أنت كذا ، وانبسطي أنت كذا .
ذكروا عن عطاء أنه قال : بلغني أن الأرض دحيت دحياً من تحت الكعبة . وقال بعضهم : من مكة دحيت الأرض . ذكروا عن مجاهد قال : كان البيت قبل الأرض بألفي عام ، ومدّت الأرض من تحته .
ذكروا عن ابن عباس في قوله : ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ [ البقرة : 29 ] وعن قوله : ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ [ النازعات : 27-30 ] قال : إنه خلق الأرض ثم خلق السماوات ، ثم عاد فدحا الأرض وخلق فيها جبالها وأنهارها وأشجارها ومرعاها ، ثم استوى إلى السماء . وقوله هنا : ثم استوى إلى السماء صلة : يقول : خلق الأرض ثم خلق السماء .
وذكروا عن الحسن أنه قال : لما خلق الله الأرض جعلت تميد فلما رأت ذلك ملائكة الله قالوا : ربَّنا هذه الأرض لا يقرُّ لك على ظهرها خلق؛ فأصبح وقد وَتَدها بالجبال . فلما رأت ملائكة الله ما أرسيت به الأرض قالوا : ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الجبال؟ قال : نعم ، الحديد . قالوا : ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الحديد؟ قال : نعم ، النار . قالوا : ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من النار؟ قال : نعم ، الماء . قالوا : ربنا هل خلقت خلقاً أشد من الماء؟ قال : نعم ، الريح . قالوا : ربنا هل خلقت خلقاً هو أشد من الريح؟ قال : نعم ، ابن آدم .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٦
﴿ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُمْ ﴾ أى أجلكم ، أو ملك لكم ﴿ مَّا فِى الأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ حتى العقارب والحيات والسباع ، فإنكم تنتفعون بها اعتباراً ، أو انزجاراً عن عقاب الله ، كما تنتفعون بالثمار ، والمعادن ، والماء ، والحيوان ، وما فى السم نفع لقتل المؤذيات ولا ينتفع بسم الميتة ولا يباع ولا يشترى ، بل سم غيرها ، وسم المعدن ، أو أراد بالأرض ما في جهته السفل ، فيشمل الأرض نفعها ، وما فيها ، استدل المعتزلة والفخر بالآية على أن الأشياء قبل ورود الشرع على الحل إن كانت نافعة ، وعليه كثير من الشافعية والحنفية ، ولا تحتمل الآية أن اللام للضرر ، مثل ﴿ وإن أسأتم فلها ﴾ ولا دليل على أن المراد بالآية الإباحة ، على شرط نزول الوحى بها ، وقيل ، إنها قبل الشرع على الحظر ، وقيل بالوقف ، والأول أولى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى ﴾ بعض خلق الأرض ، المدلول عليه بخلق ما فى الأرض ، واستواؤه هنا توجه إرادته ، واختار الجهل عن العلم من وكل أمره إلى الله ، وقد وجد له تأويلا ، وهلك من قال ، إنه على ظاهره ، لكن بلا كيف ، ويتم هنا تفسير استوى بملك ، لقوله إلى وقوله ثم إلا بتكلف أن إلى بمعنى على ، وقد ملكها قبل ، ولا باستولى لتكلف توجيه الغلبة على الجماد ، وثم لتراخى الوقت ، وإن قلنا للرتبة فلا نقض بها ، والصحيح أن السماء أفضل من الأرض ، من حيث إنها محل الطاعة التى لا معصية معها ، والأرض أفضل من حيث إنها للأنبياء ، والرسل والمؤمن أفضل من الملائكة ، والأرض أسبق خلقا على الصحيح ﴿ إلَى السَّمَاءِ ﴾ أى إلى إيجادها كما أوجد الأرض ، وخلق ما فى الأرض متأخر عن خلق السماء تشخيصاً ، لكنه متقدم ضمنا ، فخلق ما يخلق منه الحيوانات مثلا خلق لها ، فإن الله عز وجل خلق الأرض بلا بسط فى يومين ، وخلق السموات وبسطها فى يومين ، وبسط الأرض وخلق ما فيا فى يومين ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ أى صير السماء ، وأتى بضمير الجماعة لإرادة الجنس ، ولتعدد ما بعده فى قوله ﴿ سَبْعَ سَمَوَتٍ ﴾ كقوله تعالى ﴿ وَإِنْ كُنَّ نِسَاءً ﴾ فمقتضى الظاهر ، وإن كانت ، أى الأولاد ، ولكن قال : كن ، لقوله : نساء ، وقدم هنا وفى السجدة ما أخر فى النازعات ، لأن المقام فيهما للامتنان على المخاطبين ، وفى النازعات للقدرة ، ومعنى تسويتهن سبعاً خلقهن من أول مستويات ، كقولك ، وسع الدار ، أى بانها واسعة ، وسبع بدل من الهاء ، عائدة إلى السماء ، أو إلى ، بهم مفسر به ، أو مفعول ثان يتضمن معنى صبر ، وهو ضعيف ، أو حال مقدرة ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ إجمالاً وتفصيلا ، وذواتا وأحوالا ، فمن قدرته وعلمه ذلك كيف يجحد ، أو كيف ينسب إليه العجز عن إعادة الخلق ، مع أنه خلق السموات والأرض ، وخلق الدخان من الماء قبل الأرض ، ولما خلق الأرض استوى إلى السماء وهى دخان ، وسواها سبعاً ، ثم بسط الأرض وفتقها سبعا ، وكان بسطها وفتقها فى الأحد ولاثنتين ، وهن بعض فوق بعض كالسموات ، وقيل : بعض يجنب بعض ، يفصل بينهن البحار وتظل السماء عليهن .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٦