سورة البقرة · الآية ٤٠ من ٢٨٦

‹ السورة السابقة
یَٰبَنِیۤ إِسۡرَٰۤءِیلَ ٱذۡكُرُوا۟ نِعۡمَتِیَ ٱلَّتِیۤ أَنۡعَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ وَأَوۡفُوا۟ بِعَهۡدِیۤ أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِیَّٰیَ فَٱرۡهَبُونِ٤٠
الرسم الإملائيّ

يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ

الجزء ١الربع ٢ صفحة ٧

تفسيرها

[سورة البقرة — آية 40]

﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ قيل : هو يعقوب ، وقيل : معنى إسرائيل : عبدا لله ، وقيل : هو صفوة الله ، ﴿ اذْكُرُواْ ﴾ أي أحفظوا الذكر ، ﴿ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ذكَّرهم النعمة بأن يطيعوه بها ولا يكفروها ولا يبخلوا بها بشكرها ، لكن عظَّموها ولا تغفلوا عنها ، وهي جميع النعم التي لله على عباده ، ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي ﴾ أدُّوه وافيا ، بامتثال أمري ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ بما عاهدتكم عليه من التوفيق على الطاعة ، والجزاء عليها تخليداً أبديا ، ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ فلا تنقضوا عهدي ، ولا تتعرَّضوا لخذلاني لكم عن الطاعة في الدنيا واستحقاق التخليد في الآخرة ، ولا مرهوب سواه في الحقيقة عند أولى النهى ، والأمر بالرهبة منه نهى منه لهم عن الرهبة من غيره ، ﴿ وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ ﴾ يعني القرآن أو تأويله ، ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ موافقاً وشاهدا لما معكم من التوارة ، يعني في التوحيد والعبادة والنبوَّات والأخبار ، ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ أو أول من كفر به ، أو لا يكن كلُ واحد منكم أوَّل كافر به ، ةهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوَّل من يؤمن به ، لمعرفتهم به على سبيل المسارعة والمسابقة إلى الخيرات ، ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ﴾ ولا تستبدلوا ، بتغييرها وتحريفها وترك العمـل بها ، ﴿ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ هو عـرض الأدنـى ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ فخافوني وارهبوني ، (لعله) لا قوَّة الرئاسة .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧

[سورة البقرة — آية 40]

قوله : ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ يقول لمن بقي من بني إسرائيل ممن أدرك النبي عليه السلام : ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ يذكرهم ما فعل بأوائلهم وما أنجاهم من آل فرعون؛ كانوا يذبحون أبناءهم ، ويستحيون نساءهم فلا يقتلونهن ، وأنجاهم من الغرق ، وظلّل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم المنّ والسلوى ، وما أنزل عليهم من الآيات مع نعمته التي لا تحصى .

قوله : ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ . قال [ بعضهم ] : هي التي في المائدة : ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً ﴾ ؛ من كل سبط رجل شاهد على سبطه ، ﴿ وَقَالَ الله إِنِّي مَعَكُمْ ﴾ في الميثاق ﴿ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَءَاتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَءَامَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ﴾ أي ونصرتموهم ﴿ وَأَقْرَضْتُمُ الله قَرْضاً حَسَناً ﴾ قال مجاهد : أي قرضاً حلالاً . وقال غيره : القرض الحسن أن يكونوا محتسبين في قرضهم : ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ [ المائدة : 12 ] . فهو كقوله : ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .

وقال الكلبي : كان الله عهد إلى بني إسرائيل على لسان موسى عليه السلام وأنبياء بني إسرائيل أني باعث من بني إسماعيل نبيّاً أميّاً . فمن اتّبعه وصدّق به وبالنور الذي أنزل معه ، أي الذي أتى به ، أي الذي أنزل عليه ، أغفر له ذنبه ، وأدخله الجنة ، وأجعل له أجرين اثنين : أجراً باتباعه ما جاء به موسى وأنبياء بني إسرائيل ، وأجراً آخر بإيمانه بالنبيّ الأميّ . فلما بعث الله محمداً عليه السلام بما يعرفونه ذكَّرهم الله عهده فقال : أوفوا بعهدي في هذا النبي أوف بعهدكم الذي عهدت لكم من الجنة . ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ مثل قوله : ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ [ البقرة : 41 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧

[سورة البقرة — آية 40]

﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فى قلوبهم أى بها بآياتنا ﴿ وَكَذَّبُوا بِآيَتِنَا ﴾ فى ألسنتهم ، وهى القرآن وسائر كتب الله العظيم ، وهى آيات أى علامات على وجود الله ، وكمال قدرته وصدق الأنبياء ، ويدخل فى الأول من أنكر الله ، أو سميت الآية لأنها علامة على معناها ، أو لأنها جماعة حروف وكلمات ، خرج القوم بآياتهم أى بجماعتهم ، أو لأنها علامة على الانقطاع عما قبلها وعما بعدها ، باعتبار والتمام لا باعتبار المعنى ، لأن المعنى كثيراً ما يتم بآيتين أو آيات ، أو لأنه يتعجب من إعجازها يقال فلان آية من الآيات ﴿ أُولَئِكَ أَصْحَبُ النَّارِ ﴾ ملابسوها ﴿ هُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ﴾ لا تفنى ولا يفنون ، ولا يخرجون ، خاطب الله مشركى العرب ومنافقتهم ، وقد يكون الخطاب على عموم الناس ، ثم خاطب اليهود خصوصاً فقال :

﴿ يَبَنِى إِسْرَاءِيلَ ﴾ عبد الله يعقوب ، واللفظان عبريان ، أو أسر القوة أى قوة الله ، أو أسرى ليلا مهاجراً إلى الله ، أو أسر جنيّاً لوجه الله كان يطفىء سراج بيت المقدس ، وعلى الثلاثة إبل لفظ عبرى ، معناه الله ، وما قبله عربى كما قيل فى تلمسان تلم بمعنى تجمع ، عربى ، وسان اثنان بلغة البربر ، أى جمعت حسن البر والبحر أو اتفقت اللغتان العربية والعبرية ، وقيل إسر صفوة ، أو إنسان ، أو مهاجر والمراد بنو إسرائيل الموجودون حال نزول الآية ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِى ﴾ اذكروها فى قلوبكم لتشكروها بتعظيم القلب ومدح اللسان وعمل الجوارح ، ولا تكتفوا بمجرد حضورها فى القلب واللسان ﴿ الَّتِى أَنْعَمْتُ ﴾ أنعمتها . أى أنعمت بها ، أو ضمن معنى أثبت ، وقد أجيز حذف الرابط بلا شرط إذا علم ، وهى النتيجة من فرعون ، وفرق البحر والإحياء بعد موت ، وتظليل الغمام ، والمن والسلوى ، والعفو ، وغفران الخطايا ، والتوراة والماء من الحجر ، والصحف مجموعهن نعمة ، تتضمن نعماً ، أو الإضافة للحقيقة أو النعمة اسم مصدر أى اذكروا إنعامى بذلك ، وذلك لآبائهم ، وما كان فخراً لآبائهم فهو فخر لهم ، كما أنه نسب إليهم ما فعل آباؤهم من السوء لرضاهم عنهم مع السوء من قولهم سمعنا وعصينا ، وأرنا الله جهرة ، ولن نصبر على طعام واحد ، واتخاذ العجل وتبديل الذين ظلموا وتحريف الكلم ، والتولى بعد ذلك ، وقسوة القلب والكفر بالآيات ، وقتل الأنبياء . ﴿ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِى ﴾ ما عهدت إليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم أخذه من موسى ، وأخذه موسى عليكم ، قال الله جل وعلا : ولقد أخذ الله ميثق بنى إسرائيل ، إلخ . والعهد إنزال نبوءته ورسالته صلى الله عليه وسلم فى التوراة ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ بما عهدته لكم من الجنة على الوفاء بعهدى ﴿ وَإِيَّىَ ﴾ ارهبوا ، يقدر العامل هكذا ، مؤخرا للحصر ، أى خافونى وحدى على ترك الإيفاء بعهدى ، والشاغل الياء المحذوفة فى قوله ﴿ فَارْهَبُونِ ﴾ فى جميع أحوالكم ، وفى نقض العهد ، وفى أن تنزل نعمة عليكم كآبائكم ، وكأنها مذكورة ، إذ وجدت نون الوقاية المكسورة لها والفاء الفاصلة للتأكيد ، أو يقدر إياى ارهبوا ، تنبهوا فارهبون ، وعليه فحذف ارهبوا الله دلالة عليه لا على رسم الاشتغال ، والرهبة الخوف أو مع التحرز .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٧