وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦۤ إِنَّ ٱللَّهَ یَأۡمُرُكُمۡ أَن تَذۡبَحُوا۟ بَقَرَةࣰۖ قَالُوۤا۟ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوࣰاۖ قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِینَ٦٧
الرسم الإملائيّ
وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ
الجزء ١الربع ٤ صفحة ١٠
تفسيرها
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ البقرة الأنثى من البقر ، ويقال : مأخوذة من البَقرِ وهو الشَّقُّ ، سميت به لأنها تشَّقُّ الأرض ، أي تشقُّها للحراثة . قال بعض المفسرين : أول القصة مؤخّر في التلاوة ، وهو قوله : ( وإذ قتلتم نفساً فادرأتم فيها ) ، وذلك أن رجلاً موسِراً قتلوه بنو عمَّه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ، ثم جاؤوا يطلبون بديَّنه فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليُحيَى فيخبرهم بقاتله . ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ﴾ أتجعلنا مكان هزء ، أي اتستهزيء بنا ؟ نحن نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح البقرة ! وإنما قالوا ذلك لبُعد ما بين الأمرين في الظاهر ، ولم يدروا ما الحكمة فيه . ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ ﴾ أي امتنع بالله ، العياذ واللّياذ من حال واحد ، ﴿ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ لأنَّ الهزُؤ في مثل هذا من باب الجهل والسفه .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٤
قوله : ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ . . . . إلى قوله : ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله المَوْتَى وَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي لكي تعقلوا .
ذكروا عن ابن عباس أنه قال : قتل رجل ابن عمه فألقاه بين قريتين ، فأعطوه ديتين فأبى أن يأخذ . فأتوا موسى فأوحى الله إليه أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها فشدّدوا فشدّد الله عليهم .
ولو أنهم اعترضوا البقر أول ما أمروا لأجزاهم ذلك ، حتى أمروا ببقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمة لا شية فيها ، صفراء لا فارض ولا بكر ، عوان . الفارض الكبيرة ، والبكر الصغيرة ، والعوان وسط بين ذلك . لا تثير الأرض ولا يُسنى عليها . فطلبوها أربعين سنة فوجدوها عند رجل بار بوالديه ، والبقرة عليها باب مغلق ، فبلغ ثمنها ملء مسكها دنانير . فذبحت ، فضرب المقتول ببعضها فقام ، فأخبر بقاتله ، ثم مات .
وقال بعضهم : هو قتيل كان في بني إسرائيل من عظمائهم ، فتفاقم به الشر فأوحى الله إلى موسى أن اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها فإنه يحيا ويخبر بقاتله . ففعلوا فأحياه الله ، فدل على قاتله ثم مات . وذكر لنا أنهم ضربوه بفخذها ، وأن وليه الذي كان يطلب دمه هو الذي قتله من أجل ميراث كان بينهم ، فلم يورث بعده قاتل .
وقال الكلبي : عمد رجلان أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عمهما ، أخي أبيهما ، فقتلاه ، وكان عقيماً ، فأرادا أن يرثاه . وكانت لهما ابنة عم شابة مثلاً في بني إسرائيل ، فخافا أن ينكحها ابن عمهما ، فلذلك قتلاهُ .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٤
﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴾ وقد قتل لهم قتيل لا يدرى قاتله ، اسمه عاميل ، وسألوا موسى أن يدعو الله أن يبينه لهم ، والقتيل ذو مال ، قتله بنو عمه ، وقيل ابنا عمه اثنان ، وقيل ، أخوه ، وقيل ، ابن أخيه ، وهم فقراء ليرثوه ، وحملوه إلى باب قرية ، وألقوه فيه ، فطلبوا آثاره ، وادعوا القتل على رجال جاءوا بهم إلى موسى عليه السلام ، وروى أنه قتله قريب له ليتزوج زوجه ، وقيل ، ليتزوج بنته ، وقد أبى ، ذكر الله تعالى قصتهم ، ذما لهم بالتعاصى ، أو برفع التشاجر بينهم ، وبيانا لمعجزة من معجزات موسى عليه ا لسلام ﴿ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ أول القصة هو قوله تعالى ﴿ وَإِذْ قَتلتم نفساً ﴾ ولكن أخره ليتصل توبيخهم على عيوبهم بالعيوب المتقدمة . إذ وبخهم على قولهم لنبي الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ أتتخذنا هزواً ﴾ وليس من شأنه أن يعبث معهم بذبح البقرة ، وينسب الأمر لله يذبحها مع أنه لم يأمرهم ، وما قال عن الله إلا الحق ، ووبخهم على تعنتهم فى البقرة ما هى ، ما لونها ، وما هى بعد لونها مع أنهم لو ذبحوا بقرة ما لكفى إذ لم يؤمروا بمعينة ، ولو كان الأمر الغائب المفضى عند الله يؤول إلى معينة لا محيد عنها ، وكذا لو عمدوا إلى بقرة عوان ما بعد سؤالهم الثانى لكفى ذبحها ، ولو عمدوا إلى عوان صفراء لاشية فيها بعد سؤالهم الثالث لكفى ﴿ فَقَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ أتتخذ أمرنا هزؤاً ، أو أتتخذنا ذوى هزء ، أو موضع هزء ، أو مهزوءاً بنا أو نفس الهزء مبالغة لبعد ما بين ذبح البقرة وأمر القتيل ، ولو عقلوا لامتثلوا فتظهر لهم الحكمة ، أن يضرب ببعضها فيحيا مع أنهم لم يجربوا منه العبث قط ، ونسبتهم الهزء إليه شرك ، لأنهم لم ينسبوه إليه على وجه مزاح جائز ، بل على وجه الكذب عن الله ، لأنه نسب الأمر بالذبح إلى الله ، وإن جعلوا محط الاستهزاء ، أن الله لا يقدر على إحياء الميت فأشد كفراً ، ويحتمل أن ذلك من غلظ الطبع والجفا لا إشراك ، أو الاستفهام استرشاد لا إنكار ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ ﴾ من أن أكون ﴿ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ أى فى سلك من اتصفوا بالجهل ، لبرهان على جهلهم ، فذلك أبلغ من أن يقول ، أن أكون جاهلاً ، واختار الأبلغ ، لأنه أليق بما وصفوه به ، فإنه من يكذب على الله ، ويقول ، أمر بكذا ولم يأمر به من أهل الجهل البين ، كظلمة الليل ، والجهل عدم العلم ، أو اعتقاد الشىء على خلاف ما هو به ، أو فعل الشىء بخلاف ما حقه أن يفعل ، وهذا الأخير هو المراد هنا ، ولما علموا أن ذلك أمر من الله عز وجل لقوله
﴿ أعوذ بالله ﴾ إلخ قالوا ما ذكر الله عنهم بقوله :
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا ﴾ اللام للنفع أو للتعديل ﴿ رَبَّكَ يُبَيِّنُ لَّنَا مَا هِىَ ﴾ أى ما وصفها معها ، فإن ما سؤال عن الوصف هنا ، فكأنه قيل ، ما سنها ، فأجيب عليه ، وعن الجنس أو الحقيقة ، وليس مراداً هنا ، إذ لا يسألون عن جنس البقرة أو حقيقتها لعلمهم بها ، ومن السؤال عن الوصف نحو ما عمرو؛ تريد ، أخياط أم حداد ، أو ، أمسنّ أم شاب ، وما زيد ، أفاضل أم كريم ، والكثير فى ما الجنس أو الحقيقة نحو ما العنقاء ، وما الحركة ﴿ قَالَ ﴾ أى موسى ﴿ إِنَّهُ ﴾ أى الله ﴿ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ﴾ هى ﴿ فَارِضٌ وَلاَ ﴾ هى ﴿ بِكْرٌ ﴾ أو لا صلة بين النعت والمنعوت ، أو منزلة مع ما بعدها منزلة اسم ، فظهر الإعراب فيما بعد ، كقوله تعالى ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله ﴾ أى غير فارض وغير بكر ، وغير الله ، ولم يقرنها بالتاء ، لأنهما لا يطلقان على المذكر ، فهما كحائض ، لا يطلق إلا على المؤنث ، ويقال فى غير البقرة جمل أو غيره بكر ، والمؤنث بكرة بالتاء ، والغرض القطع أى لم تقطع أسنانها لكبرها بالانكسار ، أو باستفراغ سنيها المعتبرة فى الإنسان كالثنى والجذع ، والرباع ، أو انقطاع ولادتها ، والبكر الشابة الصغيرة بحيث لا تلد ، وقيل : التى ولدت ولداً واحداً ﴿ عَوَانٌ ﴾ نصَف ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ بين ما ذكر من الفارض والبكر ، وقيل : ولدت مرة أو مرتين ﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤمَرُونَ ﴾ به من ذبحها علَى هذا الوصف بلا توقف ، وطلب استفسار ، فتكلفوا سؤالا هم فى غنى عنه ، وهذا من كلام الله ، أو من كلام موسى عليه السلام .
افتحه في القارئ · صفحة ٧٤